العدد : ١٤٦٩٩ - الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٩ - الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٣٩هـ

الاسلامي

آيات في الآيات (26) .. «إنا أنزلناه قرآنًا عربيا لعلكم تعقلون»

الاثنين ١١ يونيو ٢٠١٨ - 11:03

كيف يستطيع الإنسان أن يقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم وسحرها الفريد؟ فجيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صرعى سحر تلك اللغة.. هذا قول المُستشرقة الألمانية «سيجريد هونكه»، الحائزة الدكتوراه في دراسة تاريخ الأديان وصاحبة كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب» وكتاب «الله ليس كذلك»، ونحن إذ نقتبس أقوال الأغيار المُنصفين في هذه اللغة، كمقدمة لمادة البحث في هذا المقال التي ستكون طويلة نوعًا ما، وما كان ذلك بِملكنا وإنما ضرورات الموضوع المطروح، وهو هنا القرآن وتطوير اللغة العربية؛ لذا فالفكرة لا يسعها مقال واحد بحسب جغرافيته المُتاحة، لذلك سنحاول ضغط الموضوع في حلقتين.

اللغة -أي لغة- هي أداة الفكر والاتصال، والحامل لها هو الإنسان حِكرا وحصرًا، فهو لا يستطيع أن يفكر وحده، ويعجز عن التعبير عن نفسه إلا ضمن إطار لغوي. وتطور اللغات مرتبط بتطور الفكر، واللغة العربية ليست بِدعًا بين اللغات، فهي تخضع كغيرها من اللغات لقوانين التطور، والزمن يلعب دوره الحاسم في ذلك، ولغتنا هي لغة تشريع وعلم وأدب وشعر، والتشريع هو الأساس في وظيفة اللغة؛ ففيه الإطار الناظم للمجتمع ولا غِنى عنه في أي تجمع إنساني، وأول متطلبات التشريع الدقة والضبط للمصطلحات لما في ذلك من أهمية قصوى في التنظيم لتحقيق المصالح العامة والخاصة للناس، وبما أن القرآن الكريم جاء لهذه الغاية التنظيمية الشاملة والدقيقة، ونحن أُمة نص، أمة الكلمة التي بُنيت عليها الدولة الإسلامية الأُولى في المدينة المنورة، فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما دور أو تأثير التنزيل الحكيم في اللغة العربية؟  اللغة العربية كلغة حية سرى عليها قانون التطور، مؤثرة في حياة الناس ومتأثرة بسنة التطور التي تخضع لها المجتمعات في أي زمان وكل مكان يوجد فيه العنصر البشري والإنساني، فوصلت إلى مستوى رفيع قبيل البعثة المحمدية نتيجة السيرورة والصيرورة «الزمان والتغيرات»، وتم ذلك بشكل تلقائي سلس من أهم عوامله الاحتكاك مع الأمم الأخرى، وبعثة الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) والقرآن الكريم «الخطاب الإلهي» شكلا عاملاً حاسمًا ونقلة نوعية في عملية التطور اللغوي تلك.

فما إن نزل جبريل عليه السلام بالأمر الأول حتى كانت اللغة ناضجة وكأنها على موعد مع الخطاب الجديد ليرفع من شأنها ويضفي عليها رفِعة على ما فيها من رفِعة، اكتسبتها كما يعلم الجميع من طبيعة الجغرافيا الصحراوية التي شكلّت طبيعة التجمعات العربية القبلية، قبائل بينها عُزلة وكانت لدى تلك القبائل لهجات، ومنها لهجة قريش قبيلة النبي محمد عليه الصلاة والسلام في مكة، لهجات بينها تباين وتجمعها أصول وظواهر لغوية، ولا نتجاوز مكة بغير ذكر الكعبة ملتقى القبائل في المواسم بهدف ديني اجتماعي أدبي، ما أدى إلى إخصاب اللغة المركزية -إذا صح التعبير- واللهجات مهما تمايزت عن بعضها إلا أنها تظل رهن الرابطة العمومية التي يشكلها اجتماعهم على الكثرة الكاثرة من الكلمات ودلالاتها المعروفة لدى تلك القبائل.

اللغويون ميزوا اللهجات، ومنها «العنعنة» إبدال العين بالهمزة وتخص قبيلة تميم فهم ينطقون «عن» «أن»، ولهجة قضاعة المُسماه العجعجة وهي استبدال الياء المشددة والمخففة بالجيم؛ فمثلا «راعي» تنطق عند القضاعيين «راعج»، أما قلب الحاء عينًا فهي لهجة هذيل فينطقون «حتى» «عتى»، وهذا يعكس مدى التنوع اللغوي الذي اشتملت عليه اللغة العربية، ويتضح هذا التنوع أكثر من خلال التعرض للهجة قريش قبيل البعثة النبوية الكريمة، فهي لهجة ذات شوكة وغلبة بين لهجات الجزيرة العربية آنذاك، واعتبرت تلك اللهجة المقياس للحكم على القول الحسن من عدمه، ومن الصعب تجاهل دور المكان الذي كان ميزة خاصة لقريش من دون بقية القبائل، وبالتالي من دون كل اللهجات الباقية، والكعبة هي العامل الأبرز الجاذب للقبائل إلى مكة.

مواسم تعارف عليها العرب بمكة، تجتمع فيها القبائل دوريا حاملين معهم أشعارهم معهم لتتلاقح القصائد وتروى القصص، وقريش تنتقي من تلك اللهجات وتدخلها في منظومتها اللغوية، وبتوالي «تتابع» المواسم ازدهرت اللهجة القرشية حتى غدت الحاكم الذي يُحتكم إليه في القول الفصل في أي الأقوال أسلم وأصح، والعامل الاقتصادي المُعتمِد على المكان لعِب دوره في تمكين تلك اللهجة وتسيدُها على أقرانها من اللهجات، وهل يخفى على أي قارئ متابع أهمية سوق عكاظ في إثراء لهجة قريش، وغيره من الأسواق والتجمعات، بالإضافة إلى احتكاك قريش مع الحضارات المجاورة التي أسهمت في تمكين وإغناء اللهجة القرشية.

هذا وصف موجز لحال اللغة العربية ولهجة قريش لما قبل البعثة المحمدية المباركة لخصه اللغوي ابن جني في كتابه الخصائص قائلاً: ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم وكشكشة ربيعة وكسكسة هوازن وتضجّع قيس وجرفية ضبة وتلتلة بهراء. وهذه الصورة التي أوجزناها لنشرع بعدها مباشرة في دور القرآن في الارتقاء بتلك اللغة في المقال الذي يلي هذا المقال. 

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news