العدد : ١٤٧٥٣ - الثلاثاء ١٤ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٣ - الثلاثاء ١٤ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

رمضان وتدبر القرآن (2 )

رمضان وتدبر القرآن (2 )

الاثنين ١١ يونيو ٢٠١٨ - 11:01

بقلم: عبدالسلام محمد وحيد عمري

لقد دعا رب العالمين إلى تدبر القرآن الكريم وفهم معانيه ومراميه؛ لأن سعادة المسلمين لن تتحقق إلا بتدبر القرآن والعمل بما جاء فيه، قال تعالى: «أَفَلا يتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا» [النساء: 82]. إن الانحراف عن تدبر القرآن له خطره وضرره على الفرد والمجتمع، كما أنه -أي ترك التدبر- من صفات المنافقين، والمعنى العام للآية: أفلا يتدبر أولئك المنافقون كتاب اللَّه فيعلموا حجة اللَّه عليهم فى وجوب طاعته واتباع أمره، وأن هذا الكتاب لو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، ومعنى تدبر القرآن، تأمل معانيه وتبصر ما فيه والاستفهام لإنكار عدم تدبرهم والتعجب من استمرارهم في جهلهم لبعض؛ إذ لو كان من عند غيره لتناقضت معانيه، واختلفت أحكامه اختلافًا كثيرًا. لذلك فإن الدعوة إلى التدبر وردت في مواضع أخرى، منها قوله تعالى: «كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ» [ص: 29]، وقوله تعالى: «أَفَلا يتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أم عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» [محمد: 24].

إن الصحابة والتابعين والسلف الصالح تدبروا القرآن وفهموا مراده واستنبطوا أحكامه وأقبلوا على السنة المطهرة وحققوها والتزموا صراط الله المستقيم، فسادوا العالم، ولنأخذ بعض الأمثلة لأهمية تلاوة القرآن تلاوة صحيحة، وحسن الاستماع له وتدبره، ولا يتحقق التدبر إلا بالإنصات التام، وما إن تحقق الإنصات يأتي الخشوع والتدبر والفهم الصحيح، والتطبيق القولي والعملي لمنهج الله، فيعم الخير والرشاد، والأمن والأمان، في المجتمع المسلم، بل في كل العالم.. كان عمر رضى الله عنه يقول لأبي موسى الأشعري (رضي الله عنه): ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون. وكان أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ القرآن، والبقية يستمعون، وكان علي (رضي الله عنه) يقول: «لا خير في عبادة لا فقه فيها، وقراءة لا تدبر فيها»، أما عبدالله بن مسعود فكان من أقواله: «من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن»، وأما الصالحون وأهل الورع فدائما يسعون إلى كل قول أو فعل أو عمل صالح يقربهم إلى الله، بل إن شئت فقل إنهم يسعون إلى الصلة بالله آناء الليل وأطراف النهار وفي كل لحظة من لحظات الحياة، كانوا يعملون لخيري الدنيا والآخرة، وفي الوقت ذاته يفرغون القلب من كل شيء يشغل عن طاعة الله، قال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء: «قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين، ومن اشتغل بتدبر الآي من الكتاب العزيز، وتفهمه وتعقله فإنه لا يكون معرضا، وإنما يعرض عن ذلك من لم يعرف حقيقة القرآن ولا لب القرآن ولا روحه». إن ربيع الحياة الحقيقي أن يكون القرآن الكريم ربيع قلوبنا، نطبق أحكامه ونتخلق بأخلاقه، وهذا مطلب نبوي شريف؛ إذ طلب من كان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله القرآن ربيع قلبه، عَنْ عبداللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يعَلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيتِي بِيدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، نَافِذٌ فِي قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسم سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ، أو أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أو عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أو اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ غَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ غَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِحُزْنِهِ فَرَحًا، قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: ينْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: أَجَلْ، ينْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يتَعَلَّمَهُنَّ»،. رواه البزار. وعَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ (رضي الله عنه) أَنَّهُ صَلَّى بِأصحابهِ يوْمًا صَلاةً أَوْجَزَ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ: يا أَبَا الْيقْظَانِ، خَفَّفْتَ، فَقَالَ: مَا عَلَي فِي ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ فَتَبِعَهُ، وَهُوَ أبو عَطَاءٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، فَجَاءَ فَأَخْبَرَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْينِي مَا عَلِمْتَ الْحَياةَ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيتَكَ فِي الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يبِيدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَينٍ لا تَنْفَدُ وَلا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ الشوقَ إلى لِقَائِكَ، فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَينَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ»، رواه البيهقي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news