العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

رحيل الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة .. فقدان لقامة وطنية عربية مميزة

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الاثنين ١١ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

ستبقى أجيال عديدة من شعب البحرين الوفي والعرب الاصلاء والمسلمون الاتقياء تذكر بكل فخر واعتزاز مناقب المغفور له بإذن الله سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رحمه الله وأسكنه أعلى فراديس الجنان مع الانبياء والصديقين والشهداء، فقد شق طريقه إلى المجد قاضيا ومفكرا ومؤرخا وعالما، وسياسيا، ووزيرا، بحكمة متوارثة عن الآباء والأجداد، وتواضع جم، وانفتاح على الآخرين، فدخل التاريخ من اوسع أبوابه، شخصية موسوعية، ثقافية سياسية جامعة، تاركا إرثا دينيا وعلميا وأدبيا ومؤسسيا ومعنويا قل نظيره، فقد كانت له مواقف ومآثر وأدوار لا تنسى في الاسهام الواعي في بناء دولة البحرين المعاصرة حتى قبل استقلالها ولغاية رحيله إلى عليين، شاغلا مواقع إدارية عديدة في مجالات القضاء ووزيرا للزراعة والبلديات ونائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للعدل والشؤون الإسلامية، وأخيرا رئيسا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. كما تميز سمو الشيخ الفقيد بوفائه وإخلاصه لرموز اسرته الخليفية الكريمة، وحرصه العالي على تجسيد قيمها، والمحافظة على تراثها الثر، كجزء اصيل من اخلاصه ووفائه لشعب البحرين، فكان الامين المؤتمن على ذلك التراث والمرجعية الصادقة لسجلها التاريخي وطنيا وعربيا ودوليا، مكملا ومطورا تراث ومسيرة والده الشيخ خالد بن علي آل خليفة طيب الله ثراه في عشق التاريخ والتأليف والتوثيق، فقد كان الشيخ الوالد كاتبا وموثقا لتاريخ القبائل العربية في الخليج والجزيرة العربية، فجاء سمو الشيخ عبدالله بن خالد رحمه الله على نهج ابيه، مقتفيا خطواته في الثقافة والمعرفة والفطنة، ما اكسبه ثقة شيوخ الاسرة الكريمة وتقديرهم بدءا من المغفور له بإذن الله حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة طيب الله ثراه، والشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد الراحل، وصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المفدى الذي أنعم على سموه عام 2009 بلقب «سمو الشيخ» تقديرا لمكانته ودوره في خدمة البحرين. وقال عنه اثناء حضوره مجلس العزاء «إن سيرة الفقيد الحافلة بالخير والعطاء والعمل الحسن ستبقى خالدة في ذاكرة الوطن باعتباره أحد رجالات البحرين الذين أسهموا في تعزيز نهضتها الحضارية الشاملة». وصاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس مجلس الوزراء الموقر الذي كان لا يزور مجالس البحرين في رمضان أو العيدين إلا ويبدأ من مجلس الفقيد رحمه الله، محبة وتقديرا وإكراما واعتزازا برفيق الدرب لسموه في تاريخهما الوطني الحافل، والذي قال عنه وهو يودعه الوداع الأخير «تربطني بسمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة (رحمه الله) علاقة وثيقة، ولم أره إلا مستجيبا دائما لأي نداء لخدمة الوطن، فكان (رحمه الله) رمزا للعطاء، ويختزل في ذاكرته تاريخ وطن وحضارة شعب». كما حظي بمحبة وتقدير صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين، الذي يكن له محبة الابن لوالده، وعموم الاسرة الخليفية الكريمة، ليس هذا فحسب، بل لسمو الشيخ عبدالله بن خالد رحمه الله مكانة مرموقة لدى مثقفي وعامة شعب البحرين، وتقدير للأدوار الوطنية والثقافية والاجتماعية التي لعبها طوال حياته الحافلة بالنشاط، ويتضح ذلك مما كان يعج به مجلسه العامر من ضيوف ورواد يمثلون جميع مكونات المجتمع البحريني. فهل ينسى شعب البحرين دوره المحوري في صياغة وتحرير ميثاق العمل الوطني عام 2001، وإعداد دستور 2002 اللذين امر بهما جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى وأناط تنفيذهما إلى لجنة برئاسة المغفور له، تعبيرا عن التقدير والثقة العالية بشخص المغفور له وامكاناته الادارية والفكرية والقانونية المميزة؟ إلى جانب نشاطاته العلمية في رئاسة مركز الوثائق التاريخية التابع لديوان ولي العهد الذي أسس سنة 1978، والاسهام في دعم وتأسيس الامانة العامة للمراكز والهيئات العلمية المهتمة بدراسات الخليج العربي والجزيرة العربية عام 1976 في البصرة بجمهورية العراق، ثم انتقلت إلى مملكة البحرين عام 1985 فتولى رحمه الله أمانتها العامة حتى عام 2005 وكان لسموه لمسات واضحة في توجهاتها ونشاطاتها وإسهامها في حفظ تاريخ وتراث منطقة الخليج والجزيرة العربية. كما كان لسموه دور حيوي في انشاء مركز عيسى الثقافي عام 2008 الذي ضم مركز الوثائق التاريخية باعتباره أحد المكونات والفضاءات الثقافية له، والمكتبة الوطنية وغيرها. وأصبح سموه رئيسا لمجلس أمنائه. كما كان لسمو الشيخ الفقيد لمساته الثقافية الاخرى بتأسيس وإصدار عدد من الدوريات والمجلات ورئاسة تحريرها مثل مجلة الهداية، ومجلة الوثيقة. وللفقيد مساهمات جليلة في ميدان العمل الانساني والتطوعي وتأسيس ورئاسة عدد من منظمات المجتمع المدني منها دوره المميز في تأسيس جمعية الحكمة للمتقاعدين، واحتضانها ودعمها، ورئاسة مجلس إدارتها لسنوات طويلة، ورئاسة جمعية الهلال الأحمر البحريني منذ عام 1969 فضلا عن رئاسته للجنة العليا للحج، ورئاسته الفخرية لعدد من الجمعيات الخيرية. كما كان لسمو الشيخ الراحل دوره الفاعل عربيا في العديد من المؤتمرات والاجتماعات التي كان يحضرها ممثلا لمملكة البحرين وخاصة في اجتماعات وزراء العدل العرب فكان صوتا عربيا جامعا، حريصا على تجاوز الخلافات والاختلافات بين الاشقاء. وعلى صعيد المؤتمرات العلمية والفكرية العربية فشخصية فقيدنا رحمه الله ماثلة بكل عنفوانها وأصالتها العربية وعمقها التاريخي وإحاطتها بمختلف المؤثرات والمتغيرات العربية والإقليمية والدولية.

وعلى الصعيد الشخصي تعود معرفتي بسمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة تغمده الله بواسع رحمته- إلى ديسمبر عام 1989 حينما عقد الاجتماع السنوي الثاني عشر للأمانة العامة للمراكز والهيئات العلمية المهتمة بدراسات الخليج العربي والجزيرة العربية في رحاب مركز دراسات الخليج العربي بمحافظة البصرة بجمهورية العراق وكان حينها سموه امينا عاما للأمانة العامة، وكنت انا باحثا في مركز دراسات الخليج العربي وعضوا في اللجنة التحضيرية لاستضافة الاجتماع انذاك. وبعد ان حط بي المطاف بمملكة البحرين العزيزة بعد الاحتلال الأمريكي الإيراني للعراق، زرت أستاذي الدكتور علي ابا حسين مدير مركز الوثائق التاريخية وسألته عن سمو الشيخ وكيف يمكن ان احصل على موعد لمقابلته، اجابني بكل بساطه، بإمكانك زيارته في مجلسه العامر يوم الخميس بعد صلاة العشاء من دون موعد ولا اتصال مسبق وأعطاني عنوان المجلس. وفعلا توجهت إلى مجلسه العامر بالوقت المحدد وسلمت على سمو الشيخ وعرفته بنفسي فأصر على أن أجلس إلى جنبه وكان حديثا شيقا عن البصرة وتاريخها وقبائلها وزيارات سموه لها، بل حدثني أيضا عن معلومات ووقائع تاريخية تخص علاقات الاسرة الخليفية المباركة بأسرتي ما كنت أعرفها من قبل، وقال لي اذهب لمجالس آل خليفة، وأولها مجلس سمو الأمير خليفة بن سلمان رئيس الوزراء، فإنهم يعرفونكم ولكم عندهم دالة، فلا تتردد، انت بين اهلك وهذا وطنك، فكان ذلك اللقاء وتلكم الكلمات العميقة والتوجيهات السديدة وبأسلوب سموه الهادئ المتوازن الواثق بمثابة اليد الماهرة التي غرستني في ارض البحرين الطاهرة، ومنذ ذلك اليوم اصبحت أتردد على مجلسه العامر، ملتقى الشيوخ والعلماء والمثقفين والسياسين والاكاديميين، حتى انني اكثر من مرة حينما يسأل بعض الاصدقاء كيف نصل إلى الوزير أو الوكيل أو المسؤول الفلاني، أجيبهم اذهبوا إلى مجلس الشيخ عبدالله بن خالد ولا بد انكم ستقابلون من تريدون هناك، وحينما بدأت اكتب في جريدة أخبار الخليج شجعني ان استمر في الكتابة قائلا ما معناه ان الافكار الوطنية المخلصة ينبغي ان تفتح أمامها الأبواب لأنها درع وسلاح يقي المواطنين من الفكر التخريبي. رحم الله الفقيد فقد كان نبراسا مضيئا وشعلة من النشاط المثمر، المتعدد الاوجه، فقدنا برحيله أبا ومعلما وملاذا أمينا، وواحدا من رموز البحرين الافذاذ وأعلام الامة العربية والإسلامية البارزين. خالص التعازي لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، ولصاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين، وإلى أنجال الفقيد الشيخ الدكتور محمد بن عبدالله آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للصحة والشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء والشيخ إبراهيم بن عبدالله آل خليفة وإلى أحفاد الفقيد وذويه، وإلى عموم العائلة المالكة الكريمة، وإلى شعب البحرين الوفي، سائلين المولى القدير أن يتغمد فقيد الوطن والامة بواسع رحمته ويسكنه أعلى فراديس الجنان، وأن يلهمنا جميعا الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news