العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

كيف تختار تخصصك الجامعي؟

بقلم: د. زكريا خنجي

السبت ٠٩ يونيو ٢٠١٨ - 23:35

إن لم نكن كلنا فعلى الأقل معظمنا قد احتار في هذه المرحلة -بعد المرحلة الثانوية- في الطريق أو التخصص الذي سوف يسلكه، وجلسنا مع أنفسنا لساعات لنسأل أنفسنا، هذا السؤال المصيري: ماذا نريد أن ندرس؟ ولماذا نريد أن ندرس هذا التخصص؟ وأين يمكنني أن أدرس؟ ومثل هذه الأسئلة.

والكثير منا يخضع لضغوط الأهل والأصدقاء وضغوط سوق العمل -على الرغم من عدم وجود عمل- ويتجه إلى التخصصات النمطية التقليدية، وعندئذ ربما يندم، وجزء كبير من طلبة المرحلة الثانوية لا يعرف ماذا يريد، وما الصورة التي يريد أن يكون عليها بعد بضع سنين، فيضيع عمره وهو لا يعرف أين هو، وإلى أين يتجه.

بالنسبة إلي وإلى الكثير من أبناء جيلنا، كان الوضع يكتنفه الكثير من الضبابية، لأننا بالفعل لم نكن نعرف شيئا، ولم نكن نعرف ماذا نريد، وما أهدافنا، وما تطلعاتنا، كل الذي كنا نعرفه أن أهلنا كانوا يريدون منا أن نكون أطباء فقط، وإن لم تستطع أن تدخل كلية الطب فعلى الأقل كلية الهندسة، أما بقية التخصصات الأخرى فهي عار يمكن أن تلحق بك كطالب، ولكن كانت معدلاتنا ونسبنا المئوية لا تُدخل الطب ولا تدخل الهندسة، وربما لا تُدخل أي كلية إلا بالدفع، ولكن على الأقل كانت هناك -في تلك الفترة- الكثير من الفرص الدراسية، فالطالب هو من يحدد هل سيستمر في الدراسة الجامعية أم لا؟ وما التخصص الذي يريد أن يدرسه خلافًا للطب والهندسة وخاصة إن كانت النسب المئوية تشكوا الحال. 

أما اليوم في زمن النسب المئوية السحابية، فإن الطالب يواجه أمرين صعبين، هما: الأول: جامعات مزدحمة بل ومتخمة بالطلبة لذلك فإن الطلبة الجدد يواجهون مشكلة في القبول والانخراط في التخصصات التي يرغبون فيها، والثاني: التغير السريع في خرائط سوق العمل، فالتخصص الذي يمكن أن يكون مطلوبًا اليوم قد لا يكون مرغوبًا في الغد، وربما بعد بضع سنوات ستتغير تركيبة كل المهن والتخصصات المرغوبة وخاصة أن العالم يسير صوب التخصصات الرقمية، لذلك فإن سوق العمل يلفظ أصحاب التخصصات القديمة أو الطلبة الذين مازالوا يدرسون بعض التخصصات غير المرغوبة، إذن نعود إلى السؤال الأهم: كيف يختار طالب المرحلة الثانوية التخصص الجامعي بحيث يمكنه أن يوازن بين رغباته وتطلعاته واحتياجات سوق العمل؟ 

ميزان صعب، وتوازن أصعب، ولكنه غير مستحيل.

وحتى نلم بهذا الموضوع من بعض أطرافه، فإنه من المهم أن نتناوله من خمسة محاور رئيسية، هي: ما يخص وزارة التربية والتعليم – ما يخص الجامعات – ما يخص الجهات المسؤولة عن سوق العمل – ما يخص أولياء الأمور – ما يخص الطالب نفسه، لنحاول ولو ببساطة أن نتطرق إلى هذه المحاور.

أولاً: ما يخص وزارات التربية والتعليم

نعتقد أنه على وزارات التربية أن تتبع طريقة أو أسلوبا لدراسة قدرات الطلبة مع دخولهم المرحلة الثانوية وخلال سنوات الدراسة الثلاث، فالكثير من الطلبة لا يعرفون ماذا يريدون وإلى أين يذهبون، ليس ذلك فحسب وإنما تراودهم أحلامهم بالدخول في التخصص الفلاني ولكن في الحقيقة فإن قدراته لا تؤهله لذلك.

وليس بالضرورة أن تحدد الوزارة توجهات الطلبة وإنما يمكن أن ترشدهم إلى جوانب القوة التي يمتلكونها وجوانب الضعف التي يعانون منها، وبالتالي يمكنها أن ترشدهم -مجرد إرشاد ليس إلا- إلى بعض التخصصات التي يمكن أن يتفوقوا فيها، فليس كل من يرغب في دراسة الطب يصلح لدراسة الطب، وليس كل من يرغب في دراسة كلية المعلمين يصلح لأن يكون معلما.

وبالإضافة إلى دراسة قدرات الطالب فإن على الوزارة أن تدرس أنماط شخصية الطلبة، فبدراسة أنماط شخصية الطالب وتحديد تلك الشخصية بالتعاون مع الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين يمكن أن يعطينا ذلك بعض المؤشرات لتحديد مهنة المستقبل، وبالتالي التخصص الذي يمكن أن يدرسه الطالبة. 

ومن جانب آخر فإن على الوزارة أن تتابع مع الجامعات لتطوير التخصصات وإيجاد التخصصات الجديدة، وفي المقابل إلغاء التخصصات التي ليس لها داع، سواء قامت هي بدراسة سوق العمل أو بالتعاون مع غرفة التجارة ووزارة التجارة أو أي جهة تعمل في هذا المجال، فإننا نرى اليوم أن الجامعات تحوي العديد من التخصصات التي لا يجد المتخرجون منها فرصة للعمل. حسنٌ ماذا يفعل هؤلاء؟

ثانيًا: ما يخص الجامعات العامة والخاصة

بين كل فترة وأخرى -ربما كل عشر سنوات- تحتاج الجامعات إلى إعادة دراسة الجدوى من العديد من التخصصات التي تدرس في أروقتها، ففي بعض الجامعات في الوطن العربي مازالت هناك تخصصات للجغرافيا والتاريخ والقواعد الأساسية للأحياء والكيمياء والفيزياء والعديد من المواد التي اتخمت بها الأسواق ولا يجد فيها الخريج من فرصة للعمل، فهل نستمر في تدريس مثل هذه التخصصات؟

وكذلك فإن على الجامعات بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم أن تفتح أروقتها لطلاب المرحلة الثانوية وأولياء أمورهم ليقوموا بزيارتها، سواء عن طريق إقامة المعارض أو الندوات أو ما شابه ذلك، وتتيح لهم كذلك مقابلة المتخصصين من محاضرين ودكاترة والجلوس معهم وسؤالهم عن التخصصات وأعماق تلك التخصصات ومستقبلها وكل ما يتعلق بذلك التخصص ولا يكتفي الطلبة بمقابلة المتخصصين فقط، فإن ذلك يساعد على توعية الطلاب وأولياء أمور. 

وعلى الجامعات والكليات والدكاترة أن يكونوا موضوعيين في طرح تخصصاتهم، وألا يضعوا هالات وردية لتلك التخصصات وخاصة إن عفا عليها الزمن، فالكثير من المختصين يعتقدون أن تخصصاتهم هي الأروع وهي الأفضل، ومن غير تخصصاتهم فإن الكرة الأرضية ستتوقف عن الدوران وإن اختفت تخصصاتهم فإنه سيكون نهاية الأرض، لا أيها السادة فإننا في هذا العصر السريع كل شيء يتغير، فإن من مسؤوليتكم أن تؤهلوا الطلبة للمستقبل ولجيل جديد لا أن تعيدوهم إلى العصر القديم.

ثالثًا: ما يخص الجهات المسؤولة عن سوق العمل

لا نعرف من هي الجهات المسؤولة عن سوق العمل ربما تكون وزارة التجارة أو غرف التجارة أو الكليات التي تُدرس وتخرج طلبة جامعيين في إدارة الأعمال أو ما شابه ذلك.

عمومًا، أيّا ما كانت الجهة المسؤولة فإنه يقع على عاتقها بالتعاون مع وزارات التربية والتعليم والجامعات الخاصة والعامة دراسة دورية -فلنقل مثلاً كل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة- لتعرف احتياجات الأسواق، وأي المهن المستقبلية يمكن أن تدخل السوق، أي المهن يمكن أن تمسح من السوق وتصبح غير ضرورية، فمنذ 20 سنة كانت دراسة الكمبيوتر قمة الطلب، ولكن اليوم أتخم السوق بالمتخصصين في هذا العلم فلم يعد للطلبة الخريجين من أهمية.

لذلك، وهذا أمر ضروري ويجب ألا يهمل، نحتاج فعلاً إلى دراسة سوق العمل، فطلبة اليوم يحتاجون أن يدرسوا التخصصات التي نحتاجها في المستقبل، فحتى الطب والهندسة التقليدية النمطية ما عادت مطلوبة وإنما نحتاج إلى دراسة الهندسة الإلكترونية وهندسة الروبوت وهندسة التصوير الثلاثي الأبعاد والعديد من التخصصات التي يمكن للدراسات الدورية أن تفرزها.

رابعًا: ما يخص أولياء الأمور

ببساطة أرشدوا أبناءكم ولا تضغطوا عليهم لدراسة تخصص دون آخر، فلا يوجد تخصص أفضل من آخر، فليس من الضروري أن تكون مهندسا ليتخرج ابنك مهندسًا، وليس من الضروري أن تكون معلمًا ليتخرج ابنك معلما.

فابنك ليس أنت، هو يعيش المستقبل ويجب أن يتهيأ للمستقبل، وهذا لا يعني أن تقف موقف المتفرج من غير أن ترشده وتساعده، وإنما يمكنك أن تأخذه إلى المتخصصين في المجال الذي يرغب في دراساته، سواء كان قريبا لك أو عن طريق أحد معارفك، يمكنك أن تأخذه إلى الجامعة التي يرغب في الدراسة فيها ليقابل بعض المختصين هناك.

على الوالدين وأولياء الأمور يقع عبء كبير ولكن دورهم يكون بحذر شديد وميزان حساس، يراقبون ويرشدون ويجب ألا يؤثروا في قرار مستقبل الطالب مهما كان قراره إلا إن كان قراره يخالف كل التوقعات، وربما نجد -كأولياء الأمور- هذا ضد مصلحته، حينئذ يمكننا أن نتدخل لتصحيح المسار فحسب، وليس لاتخاذ القرار.

خامسًا: ما يخص الطالب نفسه

والطالب هو محور العملية كلها، فإن عرف أن يختار فهذا أمر حسن وإلا فإنه يحتاج إلى إرشاد وتوجيه جيد حتى لا يصبح لدينا شباب من الجنسين عالة على المجتمع كما يحدث اليوم، لذلك فإن على الطالب أن يتعرف على ثلاث خرافات مهمة في التخصص الجامعي، وثلاث نصائح أيضًا مهمة في التخصص الجامعي.

1- لنبدأ بالخرافات الثلاث:

أ- هناك تخصصات سهلة وتخصصات صعبة، وهناك تخصصات سهل التعامل معها وتخصصات صعب التعامل معها، وهذه ليست حقيقة وإنما الحقيقة كل التخصصات تحتاج إلى اجتهاد ومذاكرة.

ب- بعض التخصصات أفضل من التخصصات الأخرى وخاصة فيما يتعلق بسوق العمل، وهذه ليست حقيقة فلا يوجد تخصص أفضل من تخصص، وإنما الذي يحدد الأفضلية هو أنت ورغباتك وقدرتك في دراسة التخصص، ثم تأتي فرصك في سوق العمل.

ت- هناك تخصصات تحقق لك النجاح، وهذا غير صحيح فإن الذي يحقق النجاح هو أنت وليس التخصص.

2- أما النصائح الثلاث، فهي:

أ- اكتشف نفسك وتعرف عليها وتعرف على قدراتك وميولك ورغباتك، فإن ذلك يمكن أن يحدد نوعًا ما طريقك للمستقبل.

ب- تعرف على فرصك، وذلك من خلال تعرفك على المهن المطلوبة في سوق العمل، التعرف على التخصصات الموجودة في الجامعات، وضع نفسك وتخيلها في أي تخصص ترغب قبل أن تخطو الخطوة العملية.

ت- يجب أن تعرف أن الدراسة الجامعية ليست نهاية المطاف ولا هي التي تحدد المستقبل، فما الدراسة الجامعية إلا مفتاح يمكن أن يساعدك لفتح باب المستقبل، فهي تفتح ذهنك وتقديرك للأمور، ولكن يمكن ألا تتوظف في نفس مجال التخصص، فهذا لا يهم كثيرًا إن لم تجد المجالات مفتوحة أمام ناظريك.

والآن اختيار التخصص المرغوب، كيف؟

بكل بساطة بعد أن تتعرف على التخصصات المتاحة، وتقارن مجموعك ونسبتك المئوية بالتخصصات المطلوبة، وبعد أن تتعرف على المختصين وماذا يقولون عن تخصصاتهم، وبعد أن تعرفت على مهن المستقبل، يمكنك أن تختار التخصص المطلوب.

وإن لم تتمكن من ذلك فيمكنك أن تختار بحسب المعادلة المعرفة (رفق)، وهي كالتالي: رغبة – فرصة – قدرة، ويمكن تنفيذها كالتالي:

1- خذ ورقة وقلما، ثم ارسم أمامك جدولا مكونا من خمسة أعمدة، اكتب في العمود الأول: التخصصات التي ترغب في دراساتها والتي أنت محتار أيهما تختار منها.

2- اكتب في العمود الثاني: الرغبة، وفي العمود الثالث: الفرصة، وفي العمود الرابع: القدرة، وفي العمود الخامس: المجموع.

3- ضع كل الرغبات والتخصصات التي تجد نفسك مضطرا إلى الاختيار من بينها في العمود الأول، فلنقل مثلاً: هندسة ميكانيكية، طب أسنان، تربية.. الخ، لكل تخصص خط أفقي خاص.

4- الآن ضع علامة من عشرة أمام كل تخصص في خانة الرغبة، وعلامة من عشرة أمام كل تخصص في خانة الفرصة، وعلامة من عشرة أمام كل تخصص في خانة القدرة، مثلاً:

الهندسة الميكانيكية: الرغبة: 5، الفرصة: 8، القدرة: 2، ليصبح المجموع النهائي: 15 نقطة، وهكذا مع بقية التخصصات.

5- بعد ذلك يمكنك المقارنة بين النتائج النهاية التي يمكن أن تتوصل إليها، والدرجة الأعلى يمكن أن تكون للتخصص الذي يمكنك أن تدرسه في الجامعة.

ولكن يجب أن يكون معلومًا ما هذه الطريقة إلا طريقة للاسترشاد فقط، وإنما من يقوم بالاختيار واتخاذ القرار النهائي هو أنت.

فكّر جيدًا ولكن لا تحتار، وانظر لنفسك بعد عشرين سنة، فأين تريد أن تكون؟ عندئذ اختر التخصص الذي ترغب فيه، فكّر هكذا. 

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news