العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

مقالات

التكنولوجيا المالية وأبعادها المصرفية والاقتصادية (3)

بقلم: عدنان أحمد يوسف {

الأحد ١٠ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

 

تتيح التكنولوجيا المالية مزايا كبيرة يمكن أن تخفف وطأة العديد من التحديات الحرجة التي تواجهها الدول العربية والنامية عموما. فإلى جانب رفع كفاءة تقديم الخدمات المالية وتحسين خدمة العملاء، فإن التكنولوجيا المالية يمكن أن تسهم في تحقيق الأهداف الأوسع وهي النمو الاحتوائي وتنويع النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار المالي من خلال عدة قنوات:

أولا: تحقيق النمو الاحتوائي وتنويع النشاط الاقتصادي من خلال الاحتواء المالي: مع تغلغل استخدام الهواتف المحمولة إلى حد يتجاوز عدد الحسابات المصرفية في كثير من البلدان في دول المنطقة، فإن الدفع باستخدام الأجهزة المحمولة، مع وضع القواعد التنظيمية الملائمة يمكن أن يساعد في تخفيض نسبة السكان الذين ليست لديهم حسابات مصرفية. 

ومن الممكن أن تقدم التكنولوجيا المالية كذلك مصادر بديلة لتمويل الأسر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال منصات الإقراض المتوافرة في السوق مثل الإقراض بين النظراء وتمويل التجارة عبر الإنترنت. وعلاوة على ذلك فإن التكنولوجيا المالية يمكن أن تساعد على زيادة الإقراض المصرفي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. إضافة إلى ذلك، فإن الدفع بالوسائل الرقمية يفتح مسارا للبيانات يتيح للمقرضين فرصة تقييم الجدارة الائتمانية حتى للمؤسسات الصغرى. 

ثانيا: التجارة عبر الحدود وتحويلات العاملين في الخارج: إن التكنولوجيا المالية والحلول المالية المبتكرة ذات الصلة -مثل دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة القائمة على تكنولوجيا سلسلة مجموعات البيانات (بلوك تشين) ومنصات النظراء- يمكن أن تسهم في توفير آليات للمدفوعات العابرة للحدود تتسم بارتفاع الكفاءة وزيادة الشفافية والمردودية مقارنة بالبنوك التقليدية أو شركات تحويل الأموال التي تعتمد على علاقات المراسلة المصرفية. وبذلك يمكن التخفيف من حدة التحديات التي يفرضها انقطاع علاقات المراسلة المصرفية.

ثالثا: الاستقرار والنزاهة في القطاع المالي: من الممكن أن تسهم التكنولوجيا المالية في تحقيق الاستقرار المالي بتخفيض تكاليف التشغيل في البنوك وتسهيل تحليل البيانات الضخمة لأغراض إدارة المخاطر وكشف الاحتيال. وإضافة إلى ذلك، بينما تؤدي التوترات الجغرافية-السياسية الجارية إلى تزايد أهمية التعامل مع قضايا مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، سيكون للتكنولوجيا التي تستند إلى البيانات دور مهم في تسهيل الامتثال للقواعد التنظيمية مع انتقال البلدان من مرحلة تحسين القواعد التنظيمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى مرحلة تنفيذها.

رابعا: العمليات المالية والنقدية: من شأن التحول الرقمي تيسير رفع كفاءة تحصيل الإيرادات وأداء المدفوعات الحكومية، بينما يمكن للتوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكترونية أن يحد من الاحتيال ويسهم في فعالية انتقال آثار السياسة النقدية. 

وفي ضوء المزايا المذكورة أعلاه التي تحققها التكنولوجيا المالية لجميع أطراف المصلحة (الحكومات والبنوك والعملاء وشركات التكنولوجيا المالية والشركات والأعمال) لاحظنا نموا سريعا في الاستثمارات العالمية في التكنولوجيا المالية في الخمس سنوات الماضية. وتشير التوقعات إلى استمرار نموها بقوة. فقد ارتفعت قيمة الاستثمارات في التكنولوجيا المالية بما يزيد على عشرة أضعاف في الفترة بين 2013 و2017 وتجاوزت قيمة الصفقات ال 50 مليار دولار عام 2017. 

ورغم أن النظام البيئي للتكنولوجيا المالية لا يزال في طور النمو في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فإن اعتماد هذه التكنولوجيا المالية يكتسب زخما كبيرا بين البنوك القائمة وغيرها من الشركات. 

واتخذت هذه المنطقة خطوات أكبر نسبيا نحو تطوير نظامها البيئي للتكنولوجيا المالية، والاستثمارات لا تزال مركزة في عدد قليل من البلدان. وتقوم الحكومات في هذه المنطقة بدور رائد في تعزيز ابتكارات التكنولوجيا المالية، بينما جاءت مشاركة الشركات الدولية العاملة في مجال التكنولوجيا المالية لتعطي دفعة أكبر في هذا الاتجاه.

وفي مسح أُجري مؤخرا شمل 12 بلدا في منطقة الشرق الأوسط تتضح زيادة عدد الشركات المبتدئة في مجال التكنولوجيا المالية بمقدار سبعة أضعاف منذ عام 2009، وتركزت استثماراتها في مصر والأردن ولبنان والإمارات العربية المتحدة. 

ونشأت هذه الشركات المبتدئة جنبا إلى جنب وفي إطار من المنافسة مع البنوك، التي تستعين كذلك بالتكنولوجيا الرقمية للانتقال إلى نماذج العمل الأكثر تركيزا على العملاء. وبينما لا يزال تغلغل الإنترنت محدودا في بعض البلدان أكثر من غيرها، دخلت شركات الاتصالات إلى أسواقها وتباشر حاليا تقديم خدمات الدفع عن طريق الأجهزة المحمولة. 

وتشكل قطاعات حلول الدفع والإقراض الجانب الأكبر من الاستثمارات في التكنولوجيا المالية في المنطقة تماشيا مع الاتجاهات العامة العالمية. 

وتصل نسبة الشركات المبتدئة العاملة في مجالي الدفع والإقراض إلى 50% و30% على التوالي. ومع هذا، لا تزال المعاملات النقدية مهيمنة، وتظل التكنولوجيا المالية قناة صغيرة نسبيا لحصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التمويل. 

وهناك كذلك طلب كامن كبير على مصادر التمويل البديلة ووسائل المدفوعات العابرة للحدود بسبب ارتفاع أعداد السكان الذين يتعاملون مع الجهاز المصرفي، وعدم كفاية الخدمات المصرفية المقدمة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والعمالة المهاجرة واللاجئين. 

ومع هذا، لا تزال هناك معوقات كبيرة هيكلية ومؤسسية على صعيد السياسات تواجه نمو التكنولوجيا المالية مثل ضعف بيئة الأعمال بوجه عام وندرة حصص الملكية الخاصة ورؤوس الأموال المخاطرة التي ارتكز عليها نمو التكنولوجيا المالية في الاقتصاديات المتقدمة، كما أن عدم اليقين القانوني بسبب الفجوات التنظيمية يعيق نمو هذا القطاع. 

ورغم العمل الجاري لتطوير الأطر التنظيمية للخدمات المالية الرقمية ووضع قوانين بشأن إصدار النقود الإلكترونية في معظم البلدان فإن التقدم لا يزال محدودا في وضع قواعد تنظيمية متكاملة للتكنولوجيا المالية.

‭{‬ رئيس مجلس إدارة جمعية مصارف البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news