العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

الثقافي

قصة قصيرة : الـــــــيــــــــوم الأول

السبت ٠٩ يونيو ٢٠١٨ - 10:21

بقلم: مريم الدوسري

طرحت الأم عن نفسها ليلة مؤرقة على الأريكة، ونهضت تغتسل مستبقةً رنين المنبه. اختلست لحظاتٍ تتلصص فيها من خلف الستار على عالم مغبش ما يزال يتمطى. لسعتها البرودة عند النافذة وتداركها الوقت.

تململت الصغيرة في وقوفها أمام المرآة. ما عادت ربطة الشعر البيضاء التي تقلبها بين يديها تلهيها. ما إن أحكمت الأم ربط الجديلة حتى تفقدت الصغيرة طلتها، مزهوة بزيّ المدرسة الأزرق. ارتدت جوربيها على عجل، ولم تطلب مساعدةً لانتعال الحذاء. قرب الباب تنتظرها حقيبتها الصغيرة، اختارتها بنفسها برسوم أزهار وفراشات ملونة. «أنا جاهزة»، شدّت كمّ أمها وأطبقت بيدها الأخرى على حقيبتها، «متى نذهب؟»، تبسمت لها وقادتها من مدخل المنزل المعتم إلى غرفة الجلوس، «مازال علينا أن نَفطِر»، قالت: «نشاهدُ الرسوم المتحركة؟» واصلت الصغيرة الشدّ متسائلة، منتظرةً ابتسامة رضا أو هزة رأس بالإيجاب.

أفاق المنزل على صوت التلفاز مصحوباً بغناءٍ مرح قادمٍ من غرفة الجلوس، بينما لاذت الأم بدفء الموقد وبصمت المطبخ، لا تعكرهما سوى تكتكة الساعة على الحائط. ناولت ابنتها إفطارها، فالتهت الصغيرة به وبالصور على الشاشة. وبين مضغة وأخرى، وشوشت لها أمها بأن كل شيء سيكون على ما يرام: «ستذهبين إلى المدرسة، وستتعلمين أشياء جديدة، وستتعرفين على أصدقاء جدد، وستحبك جميع المعلمات لأنك فتاة ذكية ومؤدبة، ألستِ كذلك؟ وسآتي لأصطحبك في نهاية اليوم وسنشتري الآيسكريم، حسنٌ؟» - «ماما، متى نذهب؟» رفعت الصغيرة عينيها لتلتقي بعينين محتقنتين مازالتا قادرتين على الابتسام.

دندنت الصغيرة في المقعد الخلفي للسيارة أغنية الحروف الأبجدية، فأعانت والدتها على الشرود بفكرها إلى حيث لا ينبغي أثناء القيادة. «كل ما في الأمر هو أنها ستذهب إلى المدرسة. تتعلم وتستمتع». عقلنت قرارها إرسالها ابنتها الى روضة الأطفال وهي ما تزال في الثالثة. «أمي تظن أنها صغيرة جداً، وأنني أنانية. أولوية المرأة هي عائلتها وابناؤها، هذا ما قالته لي حين رفضت الاهتمام بابنتي، بحفيدتها، بعد أن كانت تفعل لبعض الوقت خلال العامين الماضيين. أنا تعبت. اتركي هذه الوظيفة، واهتمّي بابنتك، أما يكفي». 

كادت تتجاوز إشارة حمراء وهي تسابق أفكارها. «ولكني لم أختر أيّا من هذا!» نقرت بعصبية على المقود. «كنت لأتريث في أخذ قراري. كنت لأسائل نفسي لِمَ أتزوج؟ وممن أتزوج؟ أأريد أن أصبح أمّا؟ أم أغدو أمّا وأبا بعد طلاقٍ بعمر ابنتي؟».. نبهتها الزمامير بأن لون الإشارة قد تغير. «لذا خياري الآن هو أن تذهب الى المدرسة. هذا أفضل لها ولي. ربما، كان بإمكاني الآن أن أعود للدراسة. شهادة أفضل، عمل أفضل، وحياة أفضل لها ولي». 

فاجأها السؤال من المقعد الخلفي «ماما، أين المدرسة؟» «سنصل قريبا».. أجابتها منتهزة كل فرصة يمنحها لها الزحام لتلتفت إليها. وجدت في توق ابنتها اللحوح الى الذهاب إلى المدرسة خير تأكيد على صواب قرارها. «لست أدري لم كنت قلقة؟ بالكاد كنت أنام منذ أن سجلتها في المدرسة. تحدثنا عن الأمر كثيرا، وهي تبدو مسرورة. وأعرف أنها ستكون أسعد رفقة أطفال آخرين. نعم».. تمتمت لنفسها قبل أن تعلن وصولهما إلى المدرسة. 

استقبلتهما إحدى المدرسات ملوحة عند البوابة، واستغرقت في حديث مع الأم بعد أن عرّفت نفسها. مشدوهة بما حولها، تتبعت الصغيرة تراكض الأطفال الآخرين وصخبهم، حتى انتقلت لها العدوى. تلوّت وحاولت تحرير يدها التي ما تزال في قبضة أمها، وأخذت تضرب الأرض بحذائها مستعدة للجري وإثارة الغبار. وقبل أن تتركها أمها، ربتت على رأسها، قبّلّت وجنتيها، وبحثت في عينيها عن تردد. «أتريدين أن أبقى معكِ بعض الوقت؟» سألتها. حركت الصغيرة رأسها نفياً. «متأكدة؟» اهتزهت غرّتها بالإيجاب. عانقتها واحتفظت لنفسها بشيء من رائحة بودرة الأطفال التي كانت صغيرتها تضعها قبل أن تطلقها. غابت عن عينيها في لحظات: زيّ مدرسي أزرق آخر، ضفيرة، وحقيبة صغيرة بفراشات و زهور. 

أعادت رسم شفتيها بالأحمر، وأصلحت من الكحل ما أفسدته دمعة، وراقبت بطرف عينيها تبدل الأرقام على الساعة الالكترونية في السيارة. «أتراها أحست بغيابي؟ أتراها بكت، وطلبت من المدرسة الاتصال بي؟ لِمَ لم يتصلوا بعد؟ ربما كان علي أنا أن أتصل، أتأكد من أن الُمدرِّسة ستحرص على جلوسها في مقدمة الصف، وأنها ستنبهها لتنهي شطيرتها وقت الاستراحة».. بحثت في الحقيبة عن هاتفها. ظنت أنها سَمعت صوتاً. 

أهذا رنين الهاتف أم قلبها؟ 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news