العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

بدلا من الوقوع في المحظور!!!

عندما أُحيل مشروع القانون الخاص بإدخال تعديلات «تاريخية» على أحكام قانون التأمين الاجتماعي.. كنت أُسْأَل دائما من قِبَل المتقاعدين وغيرِهم: ماذا تتوقَّع؟.. وكانت إجابتي على السائلين تتجسَّد في كلمات مُقتضبَة جدًا فحواها: لا يمكن لِمجلس «الشعب» أن يقرَّ هذه التعديلات بأي حالٍ من الأحوال.. أما عن مجلس الشورى فليس عندي ما أقوله سوى: الله أعلم، فمواقف مجلس الشورى تميل إلى الغموضِ والمُفاجآت دائما!

وفعلا.. سارت الأمورُ.. ثم جاءت كما كنّا نتوقَّعُ تماما .. برفض هذه التعديلات من قِبَل مجلس النواب بالإجماع.. ويقيني أن هذا الموقفَ من السادة النواب لن يتغير حتى لو جاء قرارُ مجلس الشورى النهائي مقرًّا لهذه التعديلات.. فهذا قََدَره.. وهذا هو المأمول منه دائما.

أما موقف مجلس الشورى، فلا يمكن القول بأنه تحدَّد أو حُسم.. فإقرار تشريعية الشورى بدستورية التعديلات والتوصية بإقرار المشروع بقانون على عكس ما انتهى إليه موقف مجلس النواب تماما فهو ليس نهائيا.. لكن أكاد أجزم أن هذا الموقف للجنة الشؤون التشريعية بالشورى لن يغيره مجلس الشورى عند نظره تقريري لجنتي الشؤون التشريعية والخدمات بالشورى .. وإن كان من المتوقع أن يرفض عدد من السادة الشوريين ما انتهى إليه قرارا (الشؤون التشريعية والخدمات).. أي سيكون هناك مِن السادة الشوريين مَنْ يرفض هذا المشروع حمايةً لمن هم في حاجة إلى الحماية من المتقاعدين.. فالديمقراطية السائدة في مجلس النواب موجودة أيضا في مجلس الشورى!

الطيب في هذه القضية بأكملها، هو أن الحكومة تركت الأمور تسير في مجراها الطبيعي.. مؤمنة تماما -وكدأبها دائما- بحق كل طرف في أن يمارس دوره بالحرية الكاملة.. ومن دون أدنى تدخلات أو ضغوط منها على الأغلبية.. أو حتى الأقلية.. كما يحدث في بعض البرلمانات في مثل هذه الأحوال.. فإن كانت قد استعملت حقها الدستوري في إحالة هذا المشروع بقانون إلى السلطة التشريعيّة بصفة الاستعجال.. فلا يمكن إنكار هذا الحقِّ عليها.. كما تركت الحكومة الحرية كاملة لكتَّابِ الرأي والأعمدة في الصحُف المحلية أن يمارسوا دورهم وحقهم في حرية التعبير من دون ذرَّة واحدة من التدخل.

غير الطبيعي.. أو الخطأ الظاهر في هذه القضية هو أنه عندما أكَّد مجلس النواب بمستشاريه أن هذا المشروع بقانون يشوبه عوار دستوري، وأن هذا القرار تأكد وأُعلن بداية من خلال اللجنة التشريعية بمجلس النواب ثم بنى مجلس النواب بأكمله قراره على ما انتهت إليه اللجنة.. وإن كان هذا الإجماعُ من المجلس برفض المشروع بقانون سيكون هو نفس القرار حتى لو لم يكتشف المستشارون عدم الدستوريَّة في هذا المشروع.. وهذا رأي لا تشوبه أدنى مغالاة!!

ولكون لجنة الشؤون التشريعية بمجلس الشورى قد أشارت في قرارها الرافض لقرار مجلس النواب.. مؤكدة دستورية هذه التعديلات، مشيرة إلى أن مستشار أو مستشاري مجلس الشورى قد حكموا بذلك.. فهذا الخلاف الدستوري بين المجلسين أو بين مستشاري المجلسين كان يوجب –ولايزال– السعي فورا لإحالة مشروع القانون إلى المحكمة الدستورية للفصل وقول كلمتها.. وأرجو أن تكون هناك نية حقيقية في أخذ هذه الخطوة نحو التنفيذ في الوقت المناسب.. ذلك لأن الموقف ليس مجرد مواقف تُحدَّد، أو خلافات دستورية تحدث ثم يصمت الجميع أو يتصامتوا أو يتجاهلوا مسألة مصيرية كهذه، فهذا هو الأمر الخطير والخطير جدا.. ذلك لأن التاريخ يسجل ولا يرحم!!

وقد أكد هذا الموقف عضو لجنة الشؤون القانونية والتشريعية بمجلس الشورى السيد أحمد الحداد، الذي أكد أن اللجنة التشريعية بمجلس الشورى اتخذت قرارها على ضوء تقرير المستشار القانوني لمجلس الشورى القاضي والمؤكد بعدم وجود شبهة دستورية تشوب مشروع القانون المعروض!

الحقيقة أنه يجب علينا عدم إقحام الدستور فيما يتعلق بمصالح وأرزاق المواطنين، مع بذل كل الجهود لتمكينهم من العيش الكريم في هذا الوطن الذي آثر وأصر قادتُه الأوفياء على أن يعيش كل المواطنين على هدى من الإنسانيات وحقوق الإنسان.. فلا الدستور ولا حقوق الإنسان يرضيان أن نحمّل المتقاعدين المغلوبين على أمرهم فشل الاستثمارات التي تمارسها شركتان تابعتان للهيئة العامة للتأمين الاجتماعي تحمّلان ميزانية الهيئة أو صناديقها الكثير.. كما أن هناك اتفاقا عاما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على ألا نحمّل جيوب المواطنين الراغبين في العيش الكريم تبعات أي فشل من أي نوع أو أي أعباء ما دام هناك الكثير من الطرق التي تغنينا عن هذا اللجوء إلى جيوب المواطنين.. منها على سبيل المثال وليس الحصر العمل على إنجاح استثمارات الهيئة التي هي بالمليارات.. وهذا النجاح ممكن.. وإذا كان هناك من لا يُريد أن ينجحَ.. فهناك بالتأكيد من هم قادرون على تحقيق هذا النجاح المنشود.. هذا مجرد وسيلة واحدة من عشرات الوسائل التي تجعلنا لا نصرُّ على هذه التعديلات.. كما أنه ليس هناك أي داعٍ لبث الرعب في قلوب المتقاعدين بالقول: «إن اتخاذ قرار إقرار هذا المشروع الذي قد لا يحبه البعض الآن أفضل من أن تُفلس صناديق التأمين الاجتماعي في المستقبل»!!

والآن ليس أمامنا إلا أن نسحب هذا المشروع بقانون.. ثم نعيد طرحه بالتدريج في صورة عدد من المشروعات بقوانين التي تطرح على مراحل متفاوتة.. وكل مشروع يتضمَّن تعديلا من تعديلات تخفيف الأعباء عن صناديق الهيئة وحمايتها من الإفلاس حماية للأجيال القادمة.. ونتوجه مباشرة إلى تغيير النمط الاستثماري الفاشل لاحتياطيات التأمين الاجتماعي .. وأما أنه مادام قد ثَبُت وجود خلاف بين المستشارين –وهم أهل الرأي والفصل– حول مدى دستورية هذا المشروع بقانون المطروح الآن.. فإنه يجب علينا أن نتوجه مباشرة إلى عرض الأمر على المحكمة الدستوريَّة صاحبة الاختصاص الأصيل في حسم هذا الخلاف.. ولنعلم جميعا أن التاريخَ لن يرحم إذا أصررنا على تمرير هذه التعديلات مع وجود هذا الاختلاف الظاهر، وليس هناك بدٌ أو حرجٌ حتى لو أخَّرنا هذه الخطوة حتى يقول مجلس الشورى الموقر قولته النهائية.. بدلا من الوقوع في المحظور.. إني بلغت اللهم فاشهد.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news