العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

ماذا وراء صعود الحركات الإرهابية المتطرفة العابرة للحدود؟!

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٠٩ يونيو ٢٠١٨ - 01:15

     في ضوء صعود الحركات الإرهابية العنيفة في الشرق الأوسط، يطرح تقرير صادر مؤخرا، تساؤلات حول كيف نمت هذه الحركات لتصبح أطرافًا فاعلة في المنطقة؟ ولماذا أخذت تلك التنظيمات في التوسع؟؛ فقد صار الشرق الأوسط بؤرة لما يُمكن وصفها بالحركات الإرهابية المتطرفة العابرة للحدود، فضلا عن وجود الجهات الفاعلة شبه الحكومية التي تستخدم العنف السياسي من أجل تحقيق الأهداف الأيديولوجية، والتي لديها القدرة على تجاوز الحدود من الدولة التقليدية والعمل انطلاقًا من دول أخرى عديدة.

    وفي حقيقة الأمر، زادت الجماعات الإرهابية من حيث أعدادها لتُصبح لاعبا حاسما في تشكيل السياسات الإقليمية في عدة دول ذات ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية متباينة تمتد من مصر إلى المغرب ومن اليمن إلى العراق ومن سوريا إلى تركيا، وقد نمت بعض هذه المنظمات مثل: تنظيم الدولة الإرهابية (داعش) و«حزب الله» وحزب العمال الكردستاني، لتنافس قوة الدول التي ينشطون فيها.

    ومن ثم، يسعى المؤلف «بول سالم»، نائب الرئيس للبحوث السياسية والبرامج في معهد الشرق الأوسط والكاتب الأكاديمي اللبناني، إلى تقديم وصف شامل لكيفية وأسباب امتداد نفوذ الحركات الإرهابية لعقود، ويعرض في نهاية المطاف ما يُمكن عمله لمجابهتها جنبًا إلى جنب مع إعادة فرض سلطة الدولة في المنطقة التي تُعاني من انعدام القانون وعدم الاستقرار المزمن. ومن ثم، فإن ذلك يحقق فهما أوسع للظروف التي يُمكن أن تُنشئ هذه الجماعات.

    ولئن كانت الظروف هي التي تسمح لتلك الجماعات بالازدهار من خلال مزيج من عوامل تتسم بالشد والجذب، يصف «سالم» عوامل تلك الدوافع بأنها هي التي «تجعل من الأفراد عُرضة للتجنيد في صفوف تلك الجماعات». وبصورة أعمق، تصف المحللة «جيسيكا جونز»، في تقرير لمركز المشروعات الدولية الخاصة أن «هذه الظروف تشمل عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية هيكلية»، وتوفر كلها مساحة يمكن من خلالها أن تتشكل فيها تلك الجماعات وتستمر في النمو، بما في ذلك أيضًا «مستويات عالية من التهميش الاجتماعي، والمناطق التي تتسم بسوء الإدارة من قبل الدولة المركزية أو غير الخاضعة لرقابة الدولة، والقمع السلطوي وانتهاكات حقوق الإنسان، والتهديدات الثقافية، وإفلات النخبة من المساءلة والعقاب».

    وبالملاحظة تتجلى تلك العوامل في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وأهم العوامل التمكينية الهيكلية لنشأة تلك الجماعات؛ هي «العوامل السياسية». ووفقًا لما أوضحه «سالم»، يُمكن تفسير تلك العوامل الهيكلية على ثلاثة مستويات: 

• أولا: المستوى الدولي، حيث المناطق التي يوجد بها عدد من تلك الجماعات المُتطرفة يجعل من المرجح تسللها إلى دول جديدة، مثل تنظيم «داعش»، والذي انتقل من العراق وسوريا إلى اليمن، وليبيا، وما إلى ذلك. 

• ثانيًا: المستوى الوطني، حيث تسمح الدول الفاشلة أو الضعيفة بمساحات مستقلة يمكن من خلالها للمجموعات أن تعزز وتتطور. 

• ثالثًا: المستوى الجُزئي، الذي يتراوح من الفرد إلى المجتمعات المحلية إلى المدن، حيث الاستياء الناجم عن الإقصاء السياسي والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان من قبل الدولة أو هؤلاء الموالين للدولة والذين يدفعون بتجنيد العناصر في صفوف تلك التنظيمات.

     وفي حين أن العوامل السياسية تبين مراحل التطور الأولى لتلك الجماعات، فإن العوامل الاقتصادية أيضًا ضرورية لفهم كيفية توسع تلك الجماعات وتوطيد أركانها؛ حيث يُذكر أن بطء النمو الاقتصادي إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وانخفاض معدلات الأجور والفساد في عدد من الدول يؤدي إلى خلق شعور واسع النطاق بالظلم الاقتصادي الذي غالبًا ما تستغله تلك الجماعات. ويقدم «داعش» مثالا واضحًا على ذلك، كما في المدن الكبرى التي احتلها خلال عامي 2014 و2015 مثل الرقة بسوريا والموصل بالعراق، حينما قام بتدشين برامج الرعاية الاجتماعية كما دفع أجورًا مرتفعة نسبيا إلى المقاتلين بين صفوفه.

     وبالنظر إلى عوامل الجذب، المعنية بالدوافع الشخصية لرغبة الانضمام إلى الجماعات المتطرفة، وهي التي ساهمت في جعل تلك الجماعات العنيفة العابرة للحدود «واقعا حقيقيا» جراء عملية التجنيد الطوعي، تتضمن هذه العوامل – حسبما طرح التقرير- الأسباب الشخصية للانضمام لهذه الحركات العنيفة، مثل رغبة الأفراد في «الشعور بالانتماء والمغامرة وتوفير الفرص لتحقيق المجد والشهرة، إلى جانب الرغبة القوية في لعب دور القائد وجذب اهتمام مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي».

     ومن خلال ذلك يمكن تصنيف حُجج الكاتب إلى بُعدين شاملين اللذين يهيئان الظروف الملائمة لظهور الحركات العابرة للحدود، ويتمثل أولهما في «افتقار الدول في الشرق الأوسط للشرعية»؛ ففي الفترة ما بعد الاستعمار، أنشأت قوى إمبريالية، مثل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا، دولا أخرى، مثل ليبيا والعراق ولبنان، على غرار نموذج مقاطعة وستفاليا الألمانية المستقلة ذاتيا سواء أكانت ملكية دستورية أو جمهورية رئاسية، وهذه الدول التي فرضتها القوى الخارجية لن تعطي الكثير من الاهتمام لهياكل السلطة التقليدية التي كانت سائدة في الشرق الأوسط، مثل الأنظمة القبلية والدينية والعرقية. وإلى جانب ممالك الخليج التي تستمد شرعيتها من عقيدتها الإسلامية، فإن الشعوب في عدد كبير من الدول، التي استقلت بعد مرحلة الاستعمار، يرون أن دولهم فشلت في ممارسة حقها الشرعي في السيادة الإقليمية والمجتمعية.

     ونتيجة لذلك، أصبحت معارضة الدول واسعة النطاق، وتجلت في الأيديولوجيات المنتشرة في المنطقة والتي أدت إلى ظهور عدد من الحركات الثورية خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ويأتي في مقدمتها الإسلاميون الذين كانوا يرغبون في توحيد الأمة الإسلامية؛ والقوميون العرب الذين سعوا إلى توحيد الدول العربية في الشرق الأوسط، إلى جانب الفصائل اليسارية والشيوعية التي سعت إلى إسقاط الأنظمة الرأسمالية التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا.

     أما البُعد الثاني فهو «العنصر التاريخي»، الذي ساعد في تقوية شوكة الجماعات الإسلامية المتطرفة؛ فبالرغم من أن الحركات القومية العربية وحركات الوحدة العربية كانت أقوى الحركات العابرة للحدود التي ظهرت في الشرق الأوسط، إلا أن الحركات الإسلامية أصبحت اليوم هي الأقوى في المنطقة والعالم بأكمله، ولا يمكن تفسير هذه المسألة إلا من خلال دراسة تأثير الأحداث التي وقعت عام 1979– التي فسرها «سالم»- والتي كانت بمثابة نقطة تحول في تاريخ الحركات العنيفة العابرة للحدود في المنطقة، باعتباره العام الذي سهلت فيه بعض الأحداث ظهور هذه الحركات وتطورها لتصبح قادرة على تحدي سلطة الدول في المنطقة.

    ولا شك أن الثورة الإسلامية في إيران كانت من أهم دوافع حفاظ الحركات العنيفة العابرة للحدود على مسارها؛ فقد أدت الإطاحة بشاه إيران- من خلال تنظيم مجموعة من الفصائل الإسلامية واليسارية والليبرالية لثورة شعبية- إلى اعتقاد الجهات الفاعلة غير الحكومية أن العنف السياسي أداة ناجحة، فقد كان المبدأ المؤسس للجمهورية الإسلامية التي شكَّلها «الخميني» هو إيجاد التزام دستوري يسعى إلى تهييج ثورات مماثلة في أنحاء العالم الإسلامي؛ أملا في قيادة نظام إقليمي ثوري إسلامي جديد.

    وعلى أثر ذلك، أسهم كل هذا في تزويد الحركات العنيفة العابرة للحدود، الإسلاميين بالأخص، بالتمويل والدعم الشعبي والدافع الأيديولوجي، فضلا عن الغزو الأمريكي واحتلال العراق للتخلص من الرئيس الراحل «صدام حسين»، ما أفسح المجال لبروز مسرح من انعدام القانون، وهو الحيز الذي مكَّن هذه الحركات من ترسيخ وتوسيع عملياتها. وأدى انهيار دولة العراق، حيث يعود هذا الانهيار إلى أسباب عسكرية، وأنتج حدوث فجوة سياسية خلقت «ظروفًا من انعدام السلطة، والأمن والصراع السياسي، وهو ما مكن من دخول الفاعلين غير الحكوميين المسلحين والمتطرفين من السنة والشيعة على حد سواء إلى العراق وانتشارهم فيه، بما في ذلك تنظيم القاعدة».

والجدير بالذكر حسبما أوضح الكاتب، أن سقوط دولة منافسة إقليميا مثل العراق بالنسبة لإيران عزز من المطامح الإقليمية الإيرانية المستمرة منذ اندلاع الثورة الإسلامية، والتي ترمي إلى نشر العنف في الشرق الأوسط من خلال وكلاء إيران. وبالاستناد إلى هذا الأمر، فقد استغلت إيران الفراغ في العراق من خلال التسلل إليها بواسطة «نوري المالكي» بهدف نشر الأيديولوجية الثورية الإسلامية. وحتى الآن، تمكنت إيران من خلال الحرس الثوري والجماعات الأخرى الموالية من الوصول إلى الدول العربية الهشة بما في ذلك لبنان، اليمن، وسوريا. وتحاول إيران في الوقت الحالي التسلل إلى الدول القوية التي تعارض نواياها.

    في الوقت ذاته، انتشرت الظاهرة العراقية، المتمثلة في الافتقار إلى استقرار مركزي للدولة، في أنحاء المنطقة من خلال انتفاضات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011. حيث سعت جماعات المعارضة إلى التصدي للأنظمة الحاكمة بالتماشي مع رغباتهم الأيديولوجية. وبالرغم من تحقيق السلام بشكل سريع في بعضها، لكن في سوريا واليمن وليبيا، سقطت السلطة الحقيقية في يد مجموعة من الحركات الإرهابية العابرة للحدود العنيفة. ففي اليمن، يهدد الحوثيون السعودية والإمارات بشن هجمات بواسطة صواريخ باليستية بموجب الأسلحة التي تقدمها إيران لهم، بينما يستمر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وفصائل «داعش» بشن هجمات إرهابية على الصعيدين الداخلي والدولي.

    وعزز من ذلك أن تنظيم الدولة الإرهابية استحوذ على المناطق الجنوبية من ليبيا بعد حالة الفراغ الذي خلفها إسقاط «معمر القذافي»، إلى جانب استيلائها على مناطق أخرى في سوريا خلال الحرب الأهلية، وربما هذا العامل هو ما جعل تلك الدولتين ضمن الدول الفاشلة خاصة بعد الربيع العربي فقد كانتا بمثابة ملاذ للحركات الإرهابية المتطرفة العابرة للحدود.      وباستثناء القوات المحلية المناهضة للحكومة مثل الجيش السوري الحر وجيش إدلب الحر، فإن الفصائل الأخرى تحتوي على عناصر إرهابية متطرفة عابرة للحدود اكتسبت كثيرا من القوة منذ عام 2011. هذا وإلى جانب جهات وجماعات إسلامية أخرى مثل تنظيم داعش، هناك فصائل تنظيم القاعدة وفصائل مناهضة للحكومة مثل جبهة النصرة، والحزب الإسلامي التركستاني، فضلا عن الفصائل الكردية مثل وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني.

     ومن الواضح أن قوة الجماعات الإرهابية المتطرفة العابرة للحدود في الشرق الأوسط في الوقت الحالي لا مثيل لها في التاريخ الحديث، ولا توجد أي دلالة تُذكر على تراجع قوتها في المستقبل القريب. وعلى الرغم من التهديد الهائل الذي تمثله، يبدو أن الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية ليست لديها أي حلول سياسية واضحة لمواجهة هذا التهديد الذي تشكله على الاستقرار والأمن.

    ولعل التقرير حلل بشكل صحيح حقيقة أن ردود الفعل الرسمية من جانب الحكومات حتى الآن كانت عسكرية في المقام الأول لمواجهة هذا التهديد بدلا من اتجاهها للتركيز على مواجهة التطرف على المدى الطويل، وإجراء الإصلاحات الهيكلية التي تقضي بذلك. وبينما كانت هناك نجاحات بتشكيل التحالف الدولي ضد داعش ومكافحة تمويل الإرهاب على الصعيدين الإقليمي والعالمي من المساعدة الذي وفرها الإنتربول والمنظمات الدولية الأخرى، فإن الحكومات لم تتمكن من معالجة المصدر الذي ينتج مثل هذه الجماعات ومعرفة أسباب تشكلها.

    ومن ناحية أخرى، يبدو أن الكاتب لم يقدم أي مناقشات محددة بشأن أفضل السبل لإنهاء الحروب الأهلية ومعالجة آثارها. فعلى سبيل المثال، لم يذكر التقرير أن تحالف الناتو الذي تدخل للإطاحة بـالقذافي في ليبيا نجح في هدفه وهو إنهاء الحرب الأهلية في عام 2012 عبر انتصاره على القوات الحكومية بغارات جوية مستمرة، كما أنه لم يشر إلى إمكانية تحقيق هذه الأهداف– وهي سبل إنهاء الحروب الأهلية- عبر عقد قمم سلام مدعومة دوليا ونشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لدعم وقف إطلاق النار أو اقتراح كيف يمكن لتغييرات القيادة أن تشرع في استتباب عملية السلام، خاصة وأن أستاذ جامعة ستانفورد «جيمس فيرون» أكد لصحيفة «الا يكونوميست» أن كل هذه الأمور تلعب دورا رئيسيا في إنهاء ما بين 25% و40% من الحروب الأهلية. 

    إجمالا، يعد ضعف التحليل الذي يقدمه التقرير حول الحلول السياسية المحتملة لتخفيف تصاعد قوة الجماعات الإرهابية المتطرفة العابرة للحدود في الشرق الأوسط لا ينتقص من أن التقرير يتسم بأنه شامل إلى حد كبير ومكتوب بشكل جيد، فإن إضفاء السياقات التاريخية على العوامل التي أدت إلى تشكيل وتقوية شوكة الجماعات الإرهابية المتطرفة بالشرق الأوسط يبين الكيفية التي جعلت هذه الجماعات موجودة في الوقت المعاصر. ويرجع قوة شوكة هذه الجماعات في المنطقة خلال فترة الخمسينيات والستينيات إلى ضعف الدول وافتقارها إلى الشرعية، ولقد تحفزت هذه الجماعات والحركات إثر الأحداث التي وقعت خلال القرن العشرين، مثل الغزو السوفيتي لأفغانستان والثورة الإسلامية في إيران، ومع انهيار عدد من الدول العربية المهمة في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك العراق وليبيا وسوريا، انتشرت هذه الجماعات التي تتكون الآن من فصائل إسلامية في الغالب؛ جراء سيطرتها على مساحات شاسعة تقع خارج حدود سلطة الدولة.

    لذا، فإن ذلك الفشل لا يبعث على أي أمل يُذكر في أن المجتمع الدولي والإقليمي قد يتوصل إلى توافق في الآراء بشأن تحديد الاستراتيجيات والمبادرات التي يمكن من خلالها مواجهة تلك الجماعات، وهنا يتضح أن تلك الجماعات المتطرفة ستظل سمة أساسية من سمات الشرق الأوسط في المستقبل المنظور. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news