العدد : ١٤٦٩٩ - الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٩ - الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

عبدالله بن خالد.. وذكريات عطرة

عرفت فقيد البحرين الكبير سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة في أعقاب وصولي إلى البحرين لأول مرة في أوائل نوفمبر 1975م للمشاركة في مرحلة الإعداد والتجهيز لإصدار جريدة «أخبار الخليج» كأول جريدة بحرينية منتظمة الصدور.

وصلت في التاريخ المشار إليه وكان علينا ترتيب وضع الصحيفة من الداخل وإسناد المسؤوليات.. والتجهيز لمادة صحفية تكفي لعشرة أعداد على الأقل.. حيث كان من المتفق عليه أن يصدر أول عدد من «أخبار الخليج» في الأول من فبراير عام 1976.

وقع الاختيار عليّ لإجراء سلسلة من الحوارات والأحاديث الصحفية مع وزراء البحرين أو على الأقل معظمهم.. فكان وزير العدل والشؤون الإسلامية آنذاك سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة على رأس قائمة الوزراء الذين أنوي التوجه إليهم.. وذهبت إلى مكتب سموه بوزارة العدل والشؤون الإسلامية في المبنى القديم المعروف عند باب البحرين.. ذهبت من دون موعد مسبق كعادتي مع الوزراء المصريين.. وقلت في نفسي إن لم يكن سموه مهيأ لإجراء الحديث فشرف كبير لي التعرف عليه في البداية.. وهذا يكفيني.

تواجدت في مكتبه في الصباح.. وقدمت نفسي إلى مدير مكتبه، حيث كان رجلا طيبا لا أتذكر اسمه.. ثم أبلغته رغبتي في مقابلة معالي الوزير.. دخل عليه وعاد إلي ليبلغني في الحال: اتفضل، معالي الوزير بوخالد يرحب بك.

دخلت على الوزير.. شخصية تختلف عن كل الوزراء المصريين الذين كنت قد التقيتهم من قبل.. حيث بادرني بابتسامة هادئة.. تشير ملامح وجهه الكريم إلى أنه شخصية يشع منها تواضع كبير.. وقدمت نفسي لمعاليه من جديد.. ودار حديث بيننا ملؤه ذكرياته عن مصر والمصريين، ونظرا إلى أنه تأكد لي أن الأحاديث العفوية وغير السابقة الإعداد لها تكون أفضل عندي من الأحاديث التي أحجز لها موعدا وأعد الأسئلة مسبقا.. ووجدت نفسي أفتح دفتري وأوجه أسئلتي مباشرة في صلب شؤون العدل والقضاء والمحاكم والشؤون الإسلامية.. وما طمأنني أن معاليه لم يعترض ولم يمتعض لما أقدمت عليه.. وكان ثاني حديث لي أجريته في البحرين للإعداد لـ«أخبار الخليج» بعد حديث معالي وزير التربية والتعليم الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل خليفة رحمه الله. 

وخرجت من مكتب وزير العدل لأسأل مباشرة على مكتب الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية.. وكان مجاورا لمكتب الوزير، لمجرد الرغبة في التعرف.. واستقبلني بنفس حرارة الترحيب التي قابلني بها الوزير.. ولاحظت أنه أيضا من نفس نسيج الشخصيات الهادئة والمتواضعة والمهابة.. والتي تشعرك لأول وهلة أنها من الشخصيات التي تجبرك على احترامها والتمسك والحرص على معرفتك بها.

ووجدت نفسي أتردد على مكتبيهما بعد ذلك في كل صباح ويوميا ضمن جولتي على الوزارات التي كلفت بتغطية أخبارها وأنشطتها.

ومن يرجع إلى أعداد «أخبار الخليج» في سنتها الأولى وما بعدها يكتشف وجود سلسلة من الأحاديث الصحفية المتميزة مع وزير العدل والشؤون الإسلامية الأسبق سمو الشيخ عبدالله بن خالد.. وكانت رغبتي في إجراء لقاءات وأحاديث أو حوارات معه تشدني أكثر نظرا إلى صراحته وعفويته ودعاباته وإسقاطاته التاريخية التي تتخلل أحاديثه.. حيث كانت أحاديثه التي تملأ صفحة كاملة لا تستغرق وقتا لأن حديثه كان ينساب في سلاسة كما كانت تتميز بأن فيها الكثير من الإسقاطات التاريخية على أحداث ومجريات الحاضر وتاريخ البحرين.. الأمر الذي كان يشكل متعة غير عادية لقارئها. والأمر الذي كان يدفعني دائما نحو الحرص على التقاء سمو الشيخ عبدالله بن خالد وإجراء أحاديث معه أو الحصول على أخبار مهمة أنه كان يعطيني أفضلية على بقية الصحفيين.

أتذكر أن سمو الشيخ عبدالله بن خالد كان أول من فكر في تنظيم معارض إسلامية متخصصة.. ومنها سلسلة المعارض الإسلامية التي نظمها وافتتحها بنفسه تلك التي أقيمت على شارع المعارض.. عندما كان هذا الشارع الشهير مجرد أرض فضاء من الجانبين!

في أحد هذه المعارض رافقت الشيخ عبدالله في جولة على كافة أجنحة المعرض، حيث كان يشارك في هذه الجولة وفود أجنبية.. وكانت توجد مترجمة رافقت الوزير في كل مراحل الجولة التي استغرقت وقتا طويلا.

في نهاية الجولة فوجئت بعدد من المشايخ يتجمعون محتجين بصوت عال وقالوا: كيف يسمحون بمترجمة ترتدي ملابس فوق الركبة في معرض إسلامي؟!!

وصل الاحتجاج إلى الوزير في الحال وقبل أن يغادر المعرض، فكان تعليقه: ما الذي جعلهم ينظرون إلى ملابسها وركبتيها؟!.. أنا والله حتى هذه اللحظة لا أعرف ماذا كانت ترتدي.. ولا أتذكر شكلها.. ولم أنظر إليها أصلا!!

كان فقيد البحرين يؤمن بأن أي مجال أو أي نشاط حتى لو كان نشاطا دينيا أو إسلاميا فإنه يحتاج إلى إعلام متخصص وعميق.. فأبدعت قريحته -رحمه الله- فكرة إصدار مجلة دينية شهرية اختار لها اسم «الهداية».. وأوكل مهمة إصدارها بالكامل إلى معالي الشيخ عبدالرحمن بن محمد بن راشد آل خليفة وكيل الوزارة آنذاك.. وحمّله أيضا رسالة الإشراف الكامل عليها ورئاسة تحريرها.

وفي أحد اللقاءات مع معالي الشيخ عبدالرحمن بمكتبه.. أبلغني بالفكرة وشرح لي أبعاد المشروع بالكامل ثم طلب مني المساعدة في البحث عن مدير تحرير مسؤول.. قلت له على الفور: موجود، فقال: من؟ قلت له: الأستاذ سيد أحمد حجازي.. وهو موجود في البحرين ويعمل معنا ضمن أسرة تحرير أخبار الخليج.. صحيح هو صديقي ولكنه الأنسب لهذه المهمة وبجدارة لأن خلفيته وثقافته الدينية والإسلامية عالية ناهيك عن أنه صحفي.. ولأنه إذا كان قد تخرج في قسم اللغة العربية بكلية الآداب فإن له شقيقين غير مبصرين يدرسان بالأزهر.. والأستاذ سيد هو من قرأ لهما مقرراتهما كلها ابتداء من الصف الأول ابتدائي بالمعهد الديني حتى حصولهما على العالمية من كلية أصول الدين.

فقال لي الشيخ عبدالرحمن سأعرض الأمر على الوزير وأبلغك في أقرب فرصة.. وجاءتني النتيجة بالموافقة.

وقد لعبت مجلة الهداية الإسلامية دورا كبيرا في التثقيف الديني والإسلامي إلى درجة أنها كانت مصدر تلهف عليها في دول المنطقة والدول العربية.. واستمر صدور الهداية سنوات طوال.. ولا أعلم الأسباب وراء توقفها حتى هذه اللحظة!!

المهم أن نجاح مجلة الهداية شجع سمو الشيخ عبدالله بن خالد لإصدار مجلة بحثية تاريخية بوصفه عاشقا للتاريخ.. واختار لها اسم «الوثيقة» هذه المجلة الرائعة التي لا أعرف هل هي مستمرة في الصدور أم اختفت هي الأخرى.. المهم أنني لا أسمع عنها ولا أراها، وكانت تصدر عن مركز الوثائق التابع لمكتب سمو ولي العهد.. واختار للإشراف على إصدارها في البداية الدكتور علي أباحسين.. ثم آلت إلى الأستاذ سيد حجازي الذي استمر في الإشراف على تحريرها حتى بعد أن ترك البحرين وعاد إلى جريدته في مصر «أخبار اليوم» وهو الآن في رحاب الله منذ حوالي خمس سنوات (رحمه الله).

الذكريات مع سمو الشيخ عبدالله بن خالد عطرة وممتعة وتبعث على الاعتزاز بشخصيات ورجالات البحرين الأفاضل المخلصين الذين أثروا تاريخ البحرين وعملوا على ثرائه وتعميقه بوفاء نادر.

رحم الله سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة وأوسع له في جناته مكانا يليق بعطائه الوفير في خدمة البحرين والإسلام والتاريخ والعدالة.. فقد ترك لنا الكثير مما نعتز ونفاخر به.. ومن بين ما ترك لنا هو النموذج المبهر للشخصية الوطنية الجديرة بالنهج على منوالها في خدمة الأوطان والدين والتاريخ وإرساء قواعد العدالة.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news