العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

مقالات

مهنة الطب وكسب المال

بقلم: د. جاسم حاجي

الثلاثاء ٠٥ يونيو ٢٠١٨ - 01:15

تعتبر مهنة الطب من أسمى المهن، إذ تتعلق هذه المهنة بإنقاذ الأرواح ومساعدة المرضى وتخفيف الآلام والمعاناة وتحسين المعيشة ونوعية الحياة. لذلك نحن نثق جميعاً بالطبيب ونصائحه وإرشاداته، ولا نفكر أو نجادل عندما يطلب الطبيب إجراء أي اختبار طبي أو عملية طبية. ولكن هناك كثير من الأحداث تشير إلى أن بعض المستشفيات أو الأطباء قد يسيئون استغلال هذه الثقة، وذلك من أجل زيادة كسب المال.

نحن ندرك أن المستشفيات والعيادات تستثمر الكثير في أجهزة الفحص الطبي والمعدات والاختبارات الطبية التي تكلف أيضاً الكثير لتشغيلها وصيانتها، وندرك أيضاً أن على المستشفيات والعيادات تغطية تكاليفها ومصاريفها من أجل البقاء والاستمرار، ولكن متى يكون هناك تضارب في المصالح؟ هناك فرق شاسع بين تغطية التكاليف عبر الإجراءات والعمليات الطبية الضرورية التي ليس لدينا دونها خيار، وبين زيادة المدخول وكسب مال أكثر لأعلى درجة ممكنة عبر زيادة طلب تلك الإجراءات الطبية حتى في الحالات غير الضرورية أو غير اللازمة، فقط من أجل زيادة الربح.

وأصدر معهد الطب في الولايات المتحدة الأمريكية تقريراً يفيد بأنه تم هدر حوالي 750 مليار دولار (ما يقدر بـ30% من مجموع الإنفاق الصحي) على إجراءات طبية غير لازمة بالإضافة إلى التكاليف الإدارية الطبية المفرطة وقضايا الاحتيال في الطب. ومؤخراً قامت مؤسسة روبرت وود جونسون الخيرية (Robert Wood Johnson Foundation) بعمل دراسة ومسح للمجال الطبي، والنتائج كانت أن 53% من الأطباء يطلبون الاختبار الطبي حتى إذا كان غير ضروري إذا أصرّ المريض، و72% من الأطباء يقومون بطلب اختبار معين لا لزوم له بمعدل مرة واحدة كل أسبوع على الأقل.

كما أن بعض الأطباء يقومون بوصف الكثير من العقاقير وخصوصاً المضادات الحيوية لأي حالية مرضية حتى إذا كانت الحالة المرضية خفيفة، وذلك لأن الشركات المصنعة يقومون بعرض الحوافز (سواء نقدية أو عينية) على الأطباء من أجل وصف تلك العقاقير. الأمر الضروري هنا أن هناك العديد من الأضرار والأعراض الجانبية لتلك العقاقير.

لهذا السبب تم إنشاء مشروع الاختيار بحكمة (Choosing Wisely) في الولايات المتحدة الأمريكية مع هدف مراجعة وتحديد جميع حالات طلب الإجراءات الطبية غير الضرورية التي تبذر الأموال وقد تضر بالمرضى والتقليل منها. ويقوم هذا المشروع بإصدار لائحة الإجراءات والاختبارات الطبية التي من الممكن التخلي عنها وحث المرضى على مساءلة أطبائهم إذا ما تم طلب هذه الإجراءات. 

من هذه الإجراءات اختبارات الأشعة المبكرة مثل التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) أو الصور المقطعية (CT) لفحص الشكاوى التي من المحتمل أن تزول من تلقاء نفسها مع الراحة. وينبغي للأطباء الانتظار حوالي ستة أسابيع لأجل أخذ الأشعة لآلام أسفل الظهر في حالة عدم زوال هذه الآلام. أخذ هذه الأشعة لا يؤثر على العلاج ولا يحسن النتائج، وقد يعرض المرضى لأخطار كثيرة.

وإذا كان الوضع كما وصفناه في الولايات المتحدة الأمريكية (من أكثر الدول صرامة في العناية الطبية والصحية).. فكيف يكون الوضع في الدول الأخرى التي لا توجد بها قوانين صحية قوية؟ لنأخذ كمثال الهند.. 

فحسب موقع (حقيقة المستشفيات في الهند) فإن الأطباء يتسلمون حوافز نقدية بحوالي 30% من أجل وصف عقاقير معنية من قبل الشركات المصنعة الداعمة، و25% عند الإحالة إلى طبيب مختص معين (ما يعني أن الإحالة ليست على من هو أكفأ كطبيب ولكن على أساس العلاقة) وحوالي 30% من العمولة لإجراء اختبارات طبية في مختبر معين (الأمر الذي يزيد من طلب اختبارات لا داعي لها) وما يقارب 30% كعمولة من أجل إجراء عمليات جراحية من التكاليف الواجب دفعها للمعدات الجراحية ولخدمات المستشفى.

قد يكون تفسير سبب زيادة الاختبارات الطبية ليس فقط بكسب مزيد من المال، ولكن لحماية الطبيب من المساءلات القانونية ما إذا حدث مكروه، وهذا ما يسمى الطب الدفاعي (defensive medicine). الطب الدفاعي هو عندما يقوم الطبيب بالتركيز ليس على شفاء المريض وعلاجه، وإنما على حماية ذاته إذا ما اشتكى المريض أو حدث له مكروه، حيث يقوم هؤلاء الأطباء بطلب الاختبارات الطبية والفحوص والإجراءات بشكل يفوق الحاجة أو المتطلب حتى إذا ما تمت مساءلة الطبيب المعالج يستطيع أن يدافع عن ذاته بأنه حاول قصارى جهده بكل الوسائل والفحوص الطبية المتوافرة. ولكن الوظيفة الرئيسية للأطباء هي علاج المرضى وليس الحماية القانونية.

لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الأطباء في المجتمع، وهناك عديد من الأطباء مخلصون للمهنة ولمرضاهم، ولكن هناك آخرون يطمعون في أكثر من ذلك. فلذلك علينا الحذر بشكل عام عند التعامل مع الأطباء والمساءلة والتفكير في جميع القرارات الطبية وليس القبول بها من دون البحث فيها.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news