العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الثقافي

قصة قصيرة :الــقــــدر بـيــــن روزا ووردة

السبت ٠٢ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

بنبرة حادة قالت لزوجها: كما قلت لك منذ البداية ان امي مريضة جدا ولا تتحمّل العناية بطفلين بحاجة إلى رعاية تامة طوال النهار. وأضافت ربما كان الأمر اخفَ عليها قبل ثلاث سنوات عندما كان لدينا فقط طفلنا علي، اما الآن مع مجيء محمد فإن وضع أمي أكثر صعوبة من حيث رعاية ولدينا، وفي ظل وضعيتها الصحية المتدهورة والمصابة بمرض الديسك، والضغط، لا تقدر على شيء.

إن وضع أمي لا يؤهلها لهذه المهمة، وبالتالي لا بد من البحث عن بديل، ولا يوجد بديل أفضل من توفير مربية أجنبية أو أي مخرج آخر للعناية بطفلينا على الأقل اثناء غيابنا في العمل، اقصد شغالة.

كان بدر منذ البداية رافضا لفكرة المربية أو الشغالة بحجة ان الطفلين يعتادان عليها ويتأثران بثقافتها وقيمها الأجنبية والغريبة عليهما، والتي تختلف كذلك عن ثقافة المجتمع، وضرب لها مثلا على وضعية أولاد جارتها بتول بأنهم أقرب إلى القيم الفلبينية، وليس البحرينية، وانهم دائما في رعاية الشغالة وباتوا يتكلمون (فلبيني) أكثر من العربي.

إلا ان بدرا أمام الحاجة وإلحاح زوجته وردة رضخ لخيار توفير شغالة في المنزل، خاصة انه وزوجته يعملان في الفترة الصباحية. فهو يعمل في أحد البنوك ولا يعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة وقد نام الطفلان، بينما تعمل زوجته معلمة للمرحلة الإعدادية حيث تعود متعبة ومستهلكة، وفي الوقت نفسه تستعد للتحضير لليوم التالي وإنهاء ما تبقى لديها من أعمال متعلقة بالتدريس لكيلا تتراكم. وعندما يعود بدر إلى المنزل من عمله تكون وردة والطفلان قد ناموا من جراء تعب اليوم والانتظار حتى يعود.

اتفقا على جلب شغالة لرعاية الطفلين ورَسَيَا على شغالة اسمها روزا. بدأت روزا مع الطفلين بداية طيبة منفذة توجيهات سيدتها وردة فيما تريده منها بخصوص ولديها علي ذي الثلاث سنوات، وخاصة الأصغر محمد ذي السنة.

في هذه الأثناء بدت وردة وكأنها مرتاحة ونفسيتها أكثر اتزانا من الأيام السابقة من جراء القلق الذي كان يساورها تجاه طفليها عندما كانا تحت رعاية أمها، وأيضا انعكس هذا الوضع على طريقة تعاملها مع تلميذاتها حيث كانت متوترة معهم دائما. أما الآن فتبدو عليها علامات الراحة والطمأنينة واضحة والتخفف إلى حد ما من أعباء الطفلين والمنزل.

بعد أسبوع من استلام روزا لعملها ومسؤولية الطفلين بدأ حسان يعود إلى البيت في وقت أبكر من ذي قبل، بحيث يلتقي طفليه وزوجته قبل نومهم وقد جهزت روزا لهم مائدة العشاء. وبدأت تدب الحياة في البيت مرة أخرى.

أخذت العلاقة بين الزوجين من جهة والشغالة روزا من جهة أخرى تقوى وينعكس ذلك على علاقتها بالطفلين خاصة على الطفل الأكبر، ويتعلق بها ربما أكثر من أمه، ويقضي معها معظم أوقاته وهي تلاعبه وتعطيه مزيدا من الرعاية والحنان اللذين كان يفتقدهما من قبل أمه بسبب انشغالها الدائم وغياب أبيه طوال اليوم.

كانت روزا على قدر كبير من الجمال وخفة الروح ومنفتحة على الدنيا كما كانت أكثر دراية في شؤون الحياة وتدبير المنزل، وذلك بخلاف سيدتها وردة مع ان هذه الأخيرة جميلة أيضا لكنها متزمتة ومتبلدة المشاعر تجاه الأشخاص والأشياء وحتى تجاه طفليها حيث تتعامل معهما وكأنهما آلات وخاصة الطفل الأكبر علي.

هذا الوضع أدى إلى ان يقضي بدر معظم وقته في العمل بحجة ان لديه التزامات لا بد من إنجازها في حين ان السبب الخفي هو جو البيت الكئيب وتبلد المشاعر الإنسانية فيه وانشغال وردة في عملها عن طفليها وزوجها وأجواء البيت الشاحبة.

وبسبب وجود روزا بدأ بدر مقارنة ضمنية بين أجواء البيت قبل مجيئها والآن بعد مجيئها، وعليه بدأ في العودة إلى البيت في وقت مبكر عن السابق ليقضي فترة المساء مع زوجته وولديه، وفي الوقت نفسه يرى كيفية متابعة روزا لطفليه ويلاحظ كيف ان حياتهما بدأت تتغير، ونفسيتهما أكثر انشراحا من ذي قبل وان البيت بدأت تدب فيه الروح.

استمر الوضع العام في الأسرة على هذا المنوال حيث عادت البهجة المفقودة إليه بمجيء روزا والأيام تبدو جميلة أكثر من السابق وحميمية الأسرة تعود إلى البيت.

وكعادة الزوجين يوميا تخرج وردة إلى عملها في تمام الساعة السادسة والنصف صباحا بينما يذهب الزوج في تمام الساعة الثامنة والنصف إلى عمله في البنك.

في هذه الأثناء التي كانت تغيب فيها زوجته وردة بينما تقوم روزا بتقديم فطور الصباح له أخذت الأفكار السابقة والسلبية عن الشغالة ودورها في البيت والأطفال تتغير، وبدأ يقنع نفسه بأن دورها مهم وأنها اضفت بهجة وسعادة على البيت منذ دخولها قبل ستة أشهر، وانه كان من المفروض ان يأتي بها منذ سنوات بل منذ ولادة الطفل الأول علي، كما ان حياة ولديه بدت أكثر سعادة وراحة نفسية، وبات هو امْيَلُ إلى البيت.

اخذ بدر يتقرب إلى روزا ويستفسر عن ولديه ويقدم لها بعض الوصايا، وهي بدورها كانت تتجاوب معه وأسئلته باعتباره سيدها لا أكثر ولا أقل.

أما هو وعلى الرغم مما يبدو انه يتعامل معها في الظاهر وكأنه سيدها لكنه في الحقيقة كان يعبر عن ميل دفين من قبل رجل تجاه امرأة معجب بها ومختلفة عن زوجته المتزمتة والمتبلدة في مشاعرها وعلاقتها الزوجية، وهي المرأة التي خلقت واقعا جديدا في أجواء البيت لا يمكن نكرانها.

كان بدر يوازن بين امرأتين مختلفتين، مع انه لا يختلف عن زوجته من حيث التزمت والتدين الزائد عن الحدود إلا انه في أمور النساء ليس كذلك وكان قادرا بحكم تدينه الظاهري على ان يعطي التبريرات الشرعية وحتى الحيل في أمور علاقته بالنساء، ومن ضمنهم بطبيعة الحال الشغالة روزا. حيث بدأ ينسج معها علاقة من نوع ما.

كانت روزا بالفعل امرأة مختلفة تماما في مشاعرها الفياضة وأريحيتها ومرحها وشبابها النضر الذي لا يتجاوز الثلاثين ربيعا وانفتاحها على العالم وفهمها لشؤون الحياة، ومعرفتها في خلق الأجواء الفرحة في المكان الذي تتواجد فيه.

هذه الأشياء كلها مجتمعة وعلى الرغم من تزمت بدر الظاهري، فإنها قد اثارته ونبهت أحاسيسه ولكن دون علم وردة الغارقة في عملها وتهجداتها ونشاطها الروتيني وتزمتها الذي يزداد يوما بعد يوم.

اطمأنت وردة إلى وضعية الشغالة وان الأهم بالنسبة إليها هو رعاية ولديها اثناء غيابها ومساعدتها من قبل الشغالة على شؤون البيت، وان الأمور تسير على ما يرام.

وأيضا كانت وردة مطمئنة لزوجها تجاه وردة وانه بحكم تدينه لن يتقرب من روزا. بعد مدة وبينما هي كذلك تولد لدى وردة نوع من الشعور الغامض بأن شيئا ما يدور في البيت من ورائها، وان امرا ما يتفاعل بين الزوج والشغالة لكن دون دليل مادي ملموس، وحدس المرأة لا يخيب.

ومنذ هذا الإحساس بدأت العلاقة فيما بين وردة والشغالة روزا تتوتر بمناسبة وغير مناسبة، أصبح الوضع في المنزل لا يطاق من جراء الشجار بين روزا ومخدومتها.

عادت وردة إلى عصبيتها ومزاجها السوداوي السابق لمجيء الشغالة. ولكن هذه المرة بسبب الشغالة نفسها. ودون ان تفصح عن شيء لا تمتلك عليه دليلا.

ازداد التوتر بين الاثنتين في حين ان بدرا يحاول ان يصلح ذات البين مع ميل خفي لصاح الشغالة بأنها صاحبة حق وان ما تقوم به زوجته مجرد ذرائع لتطفيش الشغالة، وليس بسبب ما بينهما من علاقة.

مع مرور الوقت أخذ حدس وردة بخصوص العلاقة بين الزوج والشغالة يتبلور. وان شكوكها تتأكد يوما بعد يوم.

في إحدى المرات عندما غادرت وردة المنزل متجهة إلى العمل تذكرت انها نست سجل الدرجات حيث من المفترض ان تسلمه لمكتب التسجيل بالمدرسة. 

عادت مسرعة إلى البيت فتحت الباب لتجد زوجها مع الشغالة روزا في وضعية تشي بعلاقة من نوع خاص وقد تفاجأت بذلك وتأكد لديها ما كان مجرد ظنون لديها.

في هذه الأثناء صرخت وردة بشكل جنوني وسقطت على الأرض مغميا عليها مما استدعى نقلها إلى المستشفى.

استقرت حالة وردة لكنها أصيبت بانهيار عصبي ونفسي وباتت غير قادرة على ممارسة حياتها اليومية بشكل طبيعي وقعيدة البيت.

منذ الآن أصبحت روزا تخدم الطفلين وأمهما، واخذ الطفلان يتعلقان بها أكثر من أمهما وتخرج معهما في الأسواق والمنتزهات القريبة، وفي أحيان أخرى يصحبها والدهما بمعيتهما إلى السوق وأماكن اللعب وكأنها أمهما.

بعد مرور ثلاثة شهور تبين ان وردة لن تبرأ من حالتها في القريب العاجل حيث أخذت تتردد على العيادة النفسية ولكن دون جدوى.

أصبحت روزا هي سيدة البيت ولكن بشكل غير رسمي، وبدأ بدر يوضح لطفليه بأن روزا ستصبح عما قريب زوجته وستكون لهما بمثابة الأم وأكثر من ذلك.

كانت الزوجة وردة تتألم بصمت وبغصة ولكن لا حول ولا قوة حتى تدهورت صحتها بإيقاع سريع. 

نامت في المستشفى بضعة أيام. آخر يوم زارها فيه زوجها كانت حالتها حرجة، ولا تبشر بخير.

نام وأطفاله على وجل وإذا بنقاله يرن في الساعات الأولى من الصباح. آلو: 

نعم، من؟

معك المستشفى. لقد توفت وردة ليلة البارحة.

فقط أجاب: رحمها واسكنها فسيح جناته. سنقوم بالواجب.

استلم بدر الخبر لكن دون ان يبدي أي رد فعل حزينة حيث أدى القدر له خدمة لم يكن يتوقعها للسير في مخططه. ثم تزوج روزا بعد شهر من موت زوجته الأولى وكأن شيئا لم يكن. ومنذ هذا اليوم أصبحت روزا سيدة البيت تتصرف كيفما تشاء بعد ان كانت خادمته. ومنذ هذه اللحظة أصبح بدر متعلقا ببيته وبـ روزا أكثر مما مضى.

كاتب وسوسيولوجي بحريني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news