العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

الثقافي

نـــبــــــض : أطياف لا تغادر القلب!

بقلم: علي الستراوي

السبت ٠٢ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

ابتسام ونار الانتظار

على حصيرة أزمنتها، جلست «ابتسام» وهي كما كانت بالأمس لم تستطع الخروج من كابوس وجعها الفظيع، نظرت بعينين شاردتين نحو نافذة حجرتها الوحيدة، ابتسمت لعل ابتسامتها تغسل شيئا من حزنها الجاثي على صدرها منذ أعوام مضت! 

أعوام عرفت من خلالها الذل والهوان، تجرعت فيها كل أصناف التعب، وكل الرسائل التي أتت من بغيض هدد من خلالها عذريتها، لكنها تمسكت بحبل الله القوي المتين وقالت: لتكن بقسوة الموت، فلن تستطيع قتلي، لأن الطيور التي تعرف الحب لا تغادر الشاطئ، وكل ما حولي ليس له قدرة على أن يهزمني، ولن تستطيع جدران هذا البيت إفشاء سرها لك لأنها ملك لي، وأنا المتصرفة بقوة صدها وبضعف انحدارها في زمن التهالك!

مرّ سريعا قطار انتظارها، ولم يتسلل الخوف إلى عمق انتظار ابتسام، لأن الذي شد لها ظهر العاصفة علمها الحذر الشديد، علمها أن وراء كل عاصفة سكون! 

منزل الوليد

قالت: هز يا ولدي أرجوحة رضيعك، الزمن لا ينتظر الكسالى، ولا تقف الدقائق في تململ الضيف! 

لم أدرك ما تقصده أمي من هذه الوصية إلا بعد مرور السنوات على رحيلها.. سنوات تعلمت فيها أن تركَ الشيء أصعب من العمل به، وأن الدقائق حينما تقطع سيرها من أعمارنا، تترك الوهن داخلنا من دون أن يكون لنا ما يذكره الآخرون!

وأن الحياة ليست فيما نتمناه بل فيما ننجزه، فليس الوحل العالق بأقدامنا حينما نوطئ لزوجته جاء من الفراغ!

ففي كل مرة أهز فيها منزل وليدي الصغير، اكتشف أن في الحركة ميلاد طفل جديد، رجل أو امرأة لغد يحملان معًا قساوة الحياة!

الرفيق الوحيد

بحجم كرة المضرب، تدحرجت بسرعة الريح، انشغلت بماض لم تخرج من عباءته البالية، على حدود أصعب من حد السكين وأقسى، تملمت بثقل ما يشغلها من أفكار وهي طريحة الفراش.

سنين وهذا السرير رفيقها الوحيد، ومن نافذة حجرتها تسمع شغب الأطفال وهم يمرحون ببراءة في الطريق المحاذي لحجرتها.. شغب ومرح طفولي ودت لو كانت طفلة تمرح معهم، خارجة من همها الذي يقطع كل يوم جزء من جسدها! 

منذ سنوات مضت وهي منفصلة عن عالم البشر، منحشرة في حجتها التي أصبحت جزءا كبيرا من حياتها، لم تعرف ما يعرفه الأطفال من ضوضاء هم سببها، ولم تر ضوء الشمس إلا من شقوق نافذتها حينما يتسلل النور عبر تلك الشقوق الضيقة، ولم تدرك ما للزمن من حساب في تقويم سنوات عمرها، عشرة أعوام مضت أو أكثر منذ ولادتها وهي رهينة هذا المرض العضال الذي أقعدها في سريرها، ولم تفلح كل أدوات الطبابة في علاجها، تمسكت بحبل رحمة رب عظيم، مدركة أن الصعاب ليست فيما هي مبتلى به من مرض عضال، بل في نظرة البشر اليها، انها فتاة قعيدة، وكم من ألم سببتها لها نظرات الآخرين، لكنها أدركت أن ليس المرض مانعًا لها أن تخرج من مرضها، تجاسرت على ألمها قائلة لأمها: اجلبي لي سنارة وخيط حياكة لأحيك بها وجعي واسكت نظرات الآخرين لي بالشفقة، أدركت أمها ما تقصده ابنتها، فجلبت لها ما تريد ومن يومها وهي تحيك أجمل الثياب، ويرتديها جميع البشر أصحاء ومرضى، وبهذا أدركت أن كرة المضرب حينما تتدحرج نحو هدفها تصيبه بعناية دقيقة من دون أن تخطئ الهدف.

a.astrawi@Gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news