العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

سينما

المخرج فرهادي يغوص في الخفايا العائلية لبيئة إسبانية

الاثنين ٢١ مايو ٢٠١٨ - 11:39

 «الكل يعرف» واحداً من أهم وأجمل أفلام أصغر فرهادي. فهو بعد كل شيء فيلم سينمائي بامتياز منذ مشهده الأول في عليّة الكنيسة حيث الغبار والجرس والوعد بحدوث شيء غامض ما، إلى مشهده الأخير حين تدعو الأخت الكبرى في العائلة زوجها فرناندو كي تخبره بما تعرف عن الجريمة ومقترفيها داخل البيئة العائلية... فلا نسمع ما تقوله فيما تختفي الصورة تدريجياً وينتهي الفيلم. المشهدان صامتان وواعدان بحدوث أشياء لن نعرف عنها كثيرا لكننا نخمنها، انطلاقاً من حضورها «خارج الكادر» ونعرف أن هذه خاصية سينمائية اشتغل عليها فرهادي هنا بحذق مثالي. ولكن ليقدم ماذا من خلالها؟ مؤامرة عائلية؟ فيلماً سياحياً؟ أمثولة عن الإيمان والكفر؟ عملاً تشويقياً على طريقة هتشكوك؟ بورتريهات نسائية تبدو حينا مستقاة من عالم برغمان وحيناً من عوالم المودوفار؟

شيء من هذا كله، في عمل سينمائي نجد فيه أمامنا من جديد مخرجا من خارج إسبانيا يلقي نظرة ما على عمق أعماقها الريفية، كما سبق أن فعل من قبله وودي آلان- من دون كبير نجاح- في «فيكي كريستينا برسلونا» (مع نفس النجمين اللذين يستخدمهما فرهادي هنا، الزوجين بينيلوبي كروز وخافيير بارديم). وفي ظل أجواء تشبه ما كان صوّره المودوفار بروعة في «العودة» ووسط غموض يدين كثيراً لأنطونيوني- في «المهنة مخبر»-. لكن فرهادي اشتغل على هذه الخلطة ليحقق عملاً يبدو في حبكته مشابهاً لحبكة «بصدد إيللي»: صبية تختفي بطريقة غامضة وسط احتفالية ما وفي الوقت الذي يتحول البحث عنها الى لعبة تشويقية تحبس الأنفاس، يكشف الحدث أخلاقيات المجتمع وتتوالى الخبطات واحدة تلو الأخرى وتسود البارانويا وينكشف التفكك العائلي... لكن هذا كله، وكما اعتادت الأمور أن تكون لدى فرهادي... يتطور بالتدريج بعد دقائق طويلة يستعرض فيها المخرج شخصياته وسط مناخ من التفاهم والسعادة حتى لحظة المأساة. في هذه اللحظة بالتحديد، وبسببها، ينكشف هنا ليس فقط مقدار الهشاشة التي تعيشها الشخصيات، بل أكثر من هذا: مقدار خديعة الذات التي تعيشها هذه الأخير ومقدار إلحاح الماضي على أن يكون حاضرا دائما يعود من حيث لا يتوقع أحد، وحجم الأكاذيب التي نسيّج بها حياتنا معتقدين اننا محصنون دون انكشافها حتى لحظة نُجبر فيها على دفع الثمن. هنا في خلفية حكاية تبدأ كاحتفال عائلي بعرس تأتي الشخصية التي تلعبها بينيلوبي كروز (لاورا) من الأرجنتين حيث تعيش مع زوجها آليخادرو، تأتي برفقة ولديها بعد غياب عن عائلتها ولا سيما عن باكو، حبيب صباها، لتستعيد الأجواء العائلية التي باتت بعيدة في الماضي، لكن ابنتها تُختطف كما كان حدث لطفلة قبل ذلك بسنوات في منطقة غير بعيدة ( في أحد مشاهد الفيلم نرى يدا بقفاز تفطع مقالات صحفية من جرائد قديمة تتحدث عن تلك الجريمة ما يمهد لحدوث الجريمة الجديدة). صحيح اننا مع توقف العرس والشروع في البحث عن الفتاة ننتقل الى عوالم آغاثا كريستي و»من إقترفها؟». بيد أننا لا نلبث أن ننتقل إلى عوالم برغمان والأسرار العائلية، ولكن أيضاً إلى عوالم البارانويا على طريقة تشيخوف حيث تبدأ الظنون تحيط بالجميع. والبشاشة التي كانت تسود خلال الثلث الأول من الفيلم تتحول إلى تجهم وتبادل كراهيات. والعلاقات الزوجية تبدو بالتدريج وكأن ضربة صاعقة أصابتها ولا سيما بالنسبة إلى باكو الذي كانت حياته مغطاة بالسعادة مع زوجته الحسناء، وبالثراء مع كروم العنب التي يملكها ويحول منتوجها الى نبيذ يعتبر من خبرائه المحليين، فإذا بالماضي يزوره الآن بقسوة ولكن بشيء من السعادة الغامضة أيضاً. لدى أصغر فرهادي الذي يبدع هنا، كعادته، في إدارة ممثليه، كما في «إدارة متفرجيه» كما قد يقول هتشكوك، إذ يحبس أنفاسهم طوال ما يقرب من ساعة يدور خلالها الجزء الأساسي من الحكاية (ولكن هل تراهم سيتنفسون الصعداء بعد ذلك؟ سؤال مشروع بالنظر إلى أن «الجميع يعرفون» هو من الأفلام المقلقة التي لا تُنسى بسهولة، وبالنظر الى ان العائلة التي صورها الفيلم هنا يمكن أن توجد في كل مكان وفي أي مكان بسعاداتها الهشة وأكاذيبها الغامضة وماضيها الذي يعود دائما.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news