العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

تنظيم السوق.. ليس عيبا!!!

أعود بالذاكرة إلى بدايات مسيرة مجلس الشورى الموقر وزمن المرحوم القدير الأستاذ إبراهيم حميدان «رحمه الله وطيب ثراه» عندما كان أول رئيس لمجلس الشورى على أرض البحرين.. رئيسا لسلطة تشريعية من غرفة واحدة تشرف البحرين. وقد قاد حميدان هذه البداية في شرف وجدارة واقتدار.. وهذه الفترة تشكل رصيدا عاليا من ذكرياتي التي أعتز بها في مسيرة مشواري الصحفي.. من فرط حبي الذي أحمله في صدري لهذا الرجل الذي لن أنساه ما حييت.

أتذكر خلال هذه البداية أن مجلس الشورى الموقر قد ناقش مشروع قانون جديد ومهم يتصدى للاحتكار التجاري والاقتصادي.. ويسعى إلى قطع دابره على أرض البحرين.. حيث كان يحتكر التجارة في البحرين وبشكل مركز مجموعة من العائلات ليست بالواسعة.. وكان القول الفصل والكلمة لها في كل الأحوال من حيث تشكيل حركة السوق التجاري بأكمله.

كان القانون -كما قلت- يتصدى للاحتكار ويحد من سطوة «التكويش» على الوكالات التجارية الكبرى وغير الكبرى أيضا.. ويقدم صورة فائقة الروعة والكمال لسوق عصري مريح وشديد السوية.

ناقش مجلس الشورى القانون في عدة جلسات ثم أقره.. وإن كان هذا الإقرار لم يحصل على الأغلبية المريحة.. المهم أنني في نقلي للمناقشات التي كانت تدور حول هذا القانون كانت تظهر بأنني شديد الحماس نحو تنظيم السوق.. إلى درجة أنه كان يمكن القول بأنني كنت شديد التحيز لهذا القانون إلى درجة أن بعض السادة الأعضاء المحسوبين على القطاع التجاري لم يكونوا مستريحين لنبرة الحماس والتحيز في هذا النقل للمناقشات حول القانون ونصوصه.

في نهاية الطرح والمناقشات أقر مجلس الشورى الموقر مشروع القانون الذي يكسر شوكة الاحتكار في كل مرتكزات السوق، ومنها الوكالات التجارية.

وأتذكر أيامها أنني حررت تغطية الجلسة الأخيرة التي أُقر خلالها مشروع القانون.. وحررت العناوين لها على أن تنشر كمانشيت رئيسي للجريدة بعنوان: «الانتصار لكسر الاحتكار».. وكان ذلك في زمن المرحوم الدكتور هلال الشايجي كرئيس تحرير لـ«أخبار الخليج».

ما قدمته من جهد كبير في تغطية المناقشات حول هذا المشروع «التاريخي» وأسلوب تحرير التغطية وكتابة العناوين الصحفية، وخاصة عبارة «الانتصار لكسر الاحتكار» لم تعجب أحد رجال الأعمال، وعندما قابلني فور النشر لم يتورع عن أن يهينني ويوجه لي عبارات غير مستحبة قائلا: «أنا لي كلام مع أنور عبدالرحمن.. فكيف له أن يسمح لنفسه بأن يجلب لنا صحفيين شيوعيين إلى «أخبار الخليج».

المهم لقد حماني الله من أن يؤثر هذا الموقف سلبا على نفسي لأنني كنت متمرسا على مثل هذه المواقف خلال عملي في صحف «أخبار اليوم» على مدى (15) عاما متواصلة بدءا من قبل تخرجي في الجامعة.. وانتهى الأمر بحمد الله من دون خسائر نفسية كبيرة، وخاصة أنا الآن على علاقة مودة كبيرة تقترب من الصداقة مع من أهانني!!

أعود لأؤكد من جديد كما أكدت من قبل أنني لا شيوعي ولا يحزنون.. فلم أكن أمقت في حياتي قدر مقتي للشيوعية والشيوعيين.. وكنت أتجنبهم كثيرا خلال فترات ومراحل حياتي الدراسية والعملية ولم أؤذ في حياتي كما أوذيت من الشيوعيين.

المسألة كلها أن لي رأيا لم ولن أحيد عنه في مسألة حركة الأسواق.. وفي فقهيات اقتصاد السوق الحر.. ومقتضى موقفي أن الأخذ بنظام الاقتصاد الحر لا يحجب أبدا حق وواجب الحكومات نحو حماية الأسواق.. وبمعنى أدق: حماية المواطن والمقيم والمستهلك من سطوة المتحكمين في هذا السوق الحر والمسيطرين عليه.. وحماية المنافسة وكسر الاحتكار.. والحيلولة دون التغول عليه والتوحش فيه واستغلال خلق الله بغير حق.

فلا مانع أبدا من تنظيم هذا السوق الحر.. ومن اللجوء إلى تحديد الأسعار وحمايتها وحماية المواطنين والمقيمين سواء من خلال إصدار وتوزيع نشرات الأسعار اليومية على الأسواق والمحال التجارية أو إذاعتها من خلال جميع وسائل الإعلام.. الخ.. هذا فوق تغليظ العقوبات ضد الطامعين والمسيئين إلى الأسواق وإلى ما لا حدود.. فلا يصح أبدا أن تكون الدنيا «سايبة».. أو يترك الحبل على الغارب للتحكم في حياة الناس.. بصراحة ما جعلني أعود إلى الخوض من جديد في هذا الموضوع الشائك هو هذا التشريع العظيم الذي أقره مجلس النواب من قبل.. وهو الذي يبحثه مجلس الشورى الموقر هذه الأيام ويتوجه نحو إقراره وبقوة.. وما يجعلني مطمئنا إلى هذه الدرجة هو أنني قرأت معظم الملفات التي وضعت وأُعدت حول هذا المشروع بقانون، والذي جاء بعنوان: «قانون تشجيع وحماية المنافسة»، وقد أعجبني كثيرا تعامل لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى برئاسة الشوري الفاضل السيد خالد المسقطي.. فرغم كونه صاحب عمل ناجحا فإنه يتعامل مع مثل هذه المسائل أو مع دوره الشوري بأكمله بموضوعية وضمير راقيين ملؤهما المصلحة الوطنية العليا.

حوى القانون الجديد نصوصا في غاية الأهمية تقترب من نصوص قانون كسر الاحتكار الذي تحدثت عنه في البداية، وهو الذي لا أعلم إذا كان موجودا حتى الآن من عدمه!!.. حيث إن شوكة وسطوة الوكالات لا تزال تشكو من بعض الاحتكار الذي في حاجة إلى بعض «التشذيب».

أبرز الأستاذ خالد المسقطي أن كل الجهات تميل إلى سرعة إقرار هذا القانون الجديد، إسهاما في مزيد من تنظيم السوق وتقديم أجل خدمة إلى البيئة الاستثمارية على أرض البحرين من خلاله.. كما أنه يثري منظومة التشريعات الاقتصادية وهي واحدة من أكفأ منظومات التشريعات الاقتصادية في المنطقة بأكملها.

يقول تقرير اللجنة المالية بمجلس الشورى: «إن هذا التشريع فوق أنه يمثل إضافة نوعية إلى منظومة التشريعات الاقتصادية.. إلا أنه يعزز أكثر القدرة التنافسية للمنشآت العاملة في مختلف القطاعات الاقتصادية، الأمر الذي من شأنه استقطاب الاستثمارات الجديدة، وحماية الاستثمارات القائمة من الممارسات المعيقة للمنافسة، ومن إساءة استغلال أي منشأة لما تتمتع به من وضع مهيمن في السوق، كما يتميز بالمرونة، والشفافية.. إضافة إلى أن مشروع هذا القانون يتضمن جميع العناصر اللازمة لتشجيع وحماية المنافسة.. ومن مزايا هذا القانون تحقيق السمعة الاقتصادية للمملكة وبالأخص لدى مؤسسات التقييم والمنظمات الدولية.

كما أشار هذا الرأي، الذي يمثل موقف مجلس التنمية الاقتصادية بقيادة سمو ولي العهد، إلى أنه قد تم التشاور حول هذا القانون مع العديد من المنظمات الدولية الاقتصادية، من بينها البنك الدولي.. كما تم الاطلاع على عشرات الأنظمة والقوانين التي تعمل بمقتضاها الدول الكبرى.

ولن تشذ البحرين بهذا القانون وتغرد به وحدها، حيث إن معظم دول المنطقة لديها فعلا قوانين تعنى بتشجيع وحماية المنافسة في أسواقها. أهم شيء مطمئن هو أن تنظيم المنافسة في السوق يمثل المدخل الرئيسي للقضاء على النسبة العظمى من الآفات والسوس الذي يمكن أن ينخر في جسد السوق مثل الاحتكار والمبالغة في تحديد الأسعار والغش والكذب التجاري.. لكن كل ذلك يتطلب أن يتبع هذا القانون قوانين أخرى تكون كفيلة بردع المتجاوزين.. وكونه يمتلئ بـ(55) مادة، فإن ذلك يدعونا إلى العودة إليه مرة أخرى بإذن الله.

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news