العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

آيات في الآيات / 1.. «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي..»

الخميس ١٧ مايو ٢٠١٨ - 10:42

العُمق دائمًا مُظلم وتزداد حُلكة الظلام بازدياد التعمق، ولا يُكسر هذا القانون إلا بأعماق العِلم عمومًا وعمق القرآن خصوصًا، هناك تستحيل الظُلمات إلى نور يكشف ويضيء لنا ما توّعر علينا في مسيرتنا الحياتية، ومن هنا جاءت فكرة هذه السلسلة من المقالات الرمضانية، مع إطلالة النور الرمضاني لهذا العام، نرجو من الله العلي القدير أن يُعيننا على تظليل شهر القرآن بمعاني جليلة من القرآن العظيم، لتعم الفائدة قُراء جريدة أخبار الخليج، وخلاصة الفكرة هي «نظرات في آيات» تستوقفني عند تلاوة القرآن الكريم مما يستوجب بعض البحث والتنقيب وتحويل التلاوة إلى قراءة، فنختار آية من الآيات البيّنات ونحاول وليس لنا إلا المحاولة أن ننثرها أمام القارئ الكريم فإن أصبنا فذلك التوفيق من الله وإن أخطأنا وهذا وارد فمن أنفسنا، مُستفيدين من جهود العلماء القُدماء والمُحدثين على حد سواء، والواجب الأخلاقي يُحتم علي التنويه بأسماء الذين لهم فضل علينا في هذا المجال وهم المُفكر أبو القاسم حاج حمد من السودان سودان البراءة والنفوس التي لم تُخدش بعد، والأستاذ الدكتور فاضل السامرائي من عراق الرافدين، والدكتور أحمد الكبيسي من العراق أيضًا، والدكتور المهندس محمد شحرور من سوريا الجريحة، وسيدي المرحوم علي عزت بيجوفتش من بوسنة الألم، والفيلسوف روجيه جارودي الفرنسي المسلم العنيد، هؤلاء الأعلام أقر وأعترف لهم بالفضل من خلال الإطلاع على معظم ما خطته أيديهم، فشكرهم واجب إنساني وأخلاقي، والدعاء لهم أمر لازب والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق.

وقفتنا الأولى مع الآية الثالثة من سورة المائدة «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» حيث ثارت في النفس أسئلة، أولها حول الكمال والتمام، فحسب التعبير والترتيب القرآني المقصود كان الكمال للدين والتمام للنعمة، ولماذا نسب الكمال للدين والتمام للنعمة، فالكمال هو الحالة المُثلى الكاملة التي لا تقبل زيادة ولا إضافة مهما صغُرت أو دقت، لأنه الكمال هو المُنتهى الذي ليس بعده كمال، لذا أُختص الدين بالكمال، حيث تمّ تأصيل أُصوله وتقعيد قواعده، وتثبيت مرتكزاته الفكرية حول الله والكون والإنسان والطبيعة، وأُحكم كل ذلك من خلال البُعد الزمني والمكاني، ومنضبطة لغويًا على خير ما يكون الانضباط، تلك المواضيع التي شغلت الإنسان منذ بدء الخليقة، والتي تُسمى الأسئلة الكُبرى، تمّ ذلك خلال مسيرة الوحي التي نافت على العشرين عامًا قام بها جبريل وسيطًا أمينًا بين رب رحيم ورسول كريم، ورُفعت الصحف وجفت الأقلام، لذا كان الكمال وسم على الدين، الذي يمثله القرآن الباقي والخالد كمنهل لمن أراد النهل.

التمام ضد النقص ونقيضه ولكنه لم يبلغ الحالة المُثلى لذا فهو قابل للزيادة، لهذا جاء التمام في معرض الحديث عن النِعم التي منَّ الله بها على عباده، نِعم بمعناها الشمولي، والتي لا يأنف الناس من الاستزادة منها مهما بلغت من وفرة، وبالمعنى غير المباشر ترجم سيدنا محمد هذا المعنى من خلال حديثه الشريف «لو أُوتي ابن آدم جبلاً من ذهب لتمنى الآخر», وهذه جِبلة جُبل الناس عليها، وكل منا يجد مِصداق ذلك في نفسه، لذا نخلُص إلى أن القرآن لم يستعمل الكمال مع النِعم حسب معلوماتنا القاصرة واقتصره على الدين والقرآن خير شاهد وأفضل دليل على ذلك.

 ومما له علاقة بموضوعنا ونعرِض له بعُجالة هو موضوع الصحة والعافية والمرور عليهما من ناحية الفروقات المركوزة بينهما، فالصحة كما هو معلوم هي ضد السقم «المرض» وهي تختص بالجسم وما يعرض له من علل وأسقام وما يترتب على ذلك من علاج، أما العافية فهي تشمل الصحة الجسدية وتتجاوزها ، فهي علاوة على سلامة البدن تشمل السلامة من الفتن والرزايا والبلايا والمِحن التي تُصيب الناس، كما يوضح ذلك رسولنا الكريم «لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية», العافية من آثار الحرب المُدمرة التي لا يخفى على أحد عواقبها ونتائجها، وذات مرة كان الرسول عليه الصلاة والسلام مع عائشة رضي الله عنها يمشيان فمرّا بقرب مقبرة فقال صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المُستقدمين منا والمُستأخرين وأسأل الله لنا ولكم العافية. والسؤال الذي أثار عائشة ودفعها لسؤاله: أتسأل الله العافية للموتى، فقال: يا عائشة العافية من النار والعذاب.

فعلى ضوْء النِعم التي تفضل الله بها علينا هلاّ شكرنا الله عليها من خلال أهل المخمصة والمسغبة والغارمين والأمعاء الخاوية في طول بلاد المسلمين وعرضها وغيرها من البلاد في مستهل هذا الشهر العظيم، شهر التخلص ولو جزئيًا من التمحور حول الذات لصالح ذوات احترفت الأنين، وتنتظر هذا الشهر الفضيل.

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news