العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الألمان قالوا إن أمي ظلمتني

عندما واجهت والدتي رحمها الله بأنها قصّرت كثيرا في تنشئتي بحسب الأصول المنصوص عليها في البروتكولات الطبية، وخالفت توجيهات دبليو. إتش. أو. اسكتتني كعادتها بأن قالت إنني «شيوعي»! ولما قلت لها إن تلك الحروف الثلاثة ترمز لمنظمة الصحة العالمية، اعتبرت ذلك تأكيدا لأنني عميل، ولائي لجهة «عالمية».

وقد حصلت على أدلة دامغة تؤكد أن أمي ارتكبت مخالفات جسيمة في تنشئتي، والأدلة حصلت عليها من مصادر ألمانية، وبالتحديد من الجمعية الألمانية لطب الأطفال، التي قالت إن حليب الماعز غير مناسب للأطفال الرُّضَّع، لأنه يصيبهم بحساسية شديدة، كما أنه فقير في فيتامين «د» و«ب12»، والفوليت والحديد، (لا أعرف ما هو الفوليت، ولكن لو كان من مشتقات الفول فعندي منه فائض للتصدير)

المهم أنه من الثابت تاريخيًا أن أمي كانت امرأة أرستقراطية، وبما أنني كنت شرها نهما لا أشبع، فقد استعانت خلال سنوات طفولتي الأولى بمرضعة، أتذكر جيدا أنها كانت ذات شعر جميل، وحلوة التقاطيع وناهدة الثديين، وكي لا تتهمني بأنني كنت قليل أدب منذ سنوات الطفولة الأولى، أقول لك إن تلك المرضعة كانت عنزة/ معزة، وقد تم منحها تفرغا كي تلازمني وخاصة في الأمسيات، حيث كانت تربط على رجل السرير الذي كنت أنام فيه، ويتم تزويدها بالعلف وهي على تلك الحال، وإذا تأخروا في تقديم الطعام لها هجمت على الهلاهيل التي كنت أتمدد فوقها وتأكل جانبا منها.

كنت أتغذى من حليبها بطريقة «ضرع – فم»، على وزن «أرض- جو»، وقد أدركت لاحقًا أن لبن تلك المعزة لم يكن مبسترًا، ولم يكن ضرعها مغسولا بالديتول أو الكلوروكس، وكنت، حتى بعد الفطام، أكنُّ مودة خاصة لتلك المعزة طوال مرحلة الطفولة، وأعامل صغارها كإخوة في الرضاعة، أحملهم على ذراعي وأجتهد في تعليمهم أكل الحشائش، وكان ذلك من باب رد الجميل لأنهم قاسموني لبن أمهم!! والآن فقط أدرك الأسباب التاريخية لالتهاب القولون الذي أعاني منه، فبعد إصابة قولوني بالتصحر حتى بات محتاجًا إلى بطانة اصطناعية، اكتشف الأطباء أنني أعاني من حساسية تجاه الألبان ومشتقاتها، وبالتحديد من سكر الحليب (لاكتوز)، وهكذا حرمت من مباهج الحياة المتمثلة في الآيسكريم وحلوى الكراميل، والآن فقط فهمت لماذا أصبت بقصر النظر: لأن حليب الماعز يفتقر إلى عناصر غذائية رئيسية وفقير في مواد كثيرة، وإذا أضفنا إلى كل ذلك أن جدي والد أمي يدعى «فقير»، اتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن عجزي عن «تكوين نفسي» يعود إلى عوامل وراثية من جهة الأم.

وقد غفرت لأمي أنها لم تحصّني ضد البلل بالبامبرز، وأنها لم تطعمني سريلاك وفارليز، ولم تسمح لي بمشاهدة أفلام ديزني، ورفضت تزويدي بـ«آيباد»، ولكن أن تعهد برعايتي إلى عنزة، بدلاً من مربية فلبينية، فهذا ما لم أستطع السكوت عليه، وقد فكرت في أن أرفع عليها دعوى أطالبها فيها بالتعويض، ولكنني صرفت النظر عن ذلك الأمر لأنها كانت سترغمني على دفع مبلغ التعويض من جيبي الخاص، وكان رد الفعل الوحيد المتاح لي هو حرمانها لنحو ستة أشهر من الراتب، ولكن كانت عاقبة ذلك أن تحرمني بدورها من «العفو» الشامل الذي سبق أن منحته لي والذي ظلت تجدده كلما خاطبتها هاتفيًا! 

وهكذا أصدرت عفوًا عامًا شاملاً عنها كي لا أضحي بـ«عفوها»، وتفاديت الخطأ في حق عيالي بأن أنقذتهم من لبن معيزها وربيتهم – دون فخر – على «حليب نيدو الذي تضمنه نستله» والمستخلص من ألبان ماعز خواجاتي أوروبي مما يعينهم على مواكبة العولمة.

ثم انتصر خبراء التغذية لأمي عندما قالوا مؤخرا إن لبن الماعز أفضل قيمة لجسم الشخص الراشد من لبن البقر، ولهذا فإن الأجبان المصنوعة من لبن الماعز أعلى سعرا من الأجبان البقرية، ولكن الجبن المصنوع من لبن الحمير يعلو ولا يعلى عليه في فرنسا.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news