العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

عاملات المنازل.. «كلاكيت» كل عام!

بقلم: موسى عساف

الاثنين ١٤ مايو ٢٠١٨ - 01:20

كعادتنا كل عام؛ ومع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، تنفجر على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من السخط والتذمر، ترافقها عشرات المقاطع المرئية الساخرة، والتي تتناول ظاهرة الهروب الجماعي لعاملات المنازل، وكيفية التحايل على هذا الوضع من خلال انتهاج سياسات لاسترضائهن بالحوافز المادية تارة وبالوعود الوردية بتقليل العمل وتحسين ظروفه كي لا تهرب قبل الشهر الفضيل.

موجة العام الحالي لم تتوقف عند الحد المعتاد وفي إطارها الاجتماعي؛ بل تجاوزت ذلك إلى تفجر أزمة دبلوماسية بين الدول، بعد أن قامت حكومة الفلبين بالإساءة إلى دولة عربية وخليجية مستغلة ملف عاملات المنازل، وقامت وبشكل فج  بنشر مقاطع مرئية عن عملية تهريب العاملات بمساعدة فرق كوماندوز تابعة لسفارة بلادهن.

وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت الفلبين إلى القيام بهذا العمل الذي يخالف كل الأعراف الدبلوماسية والمواثيق الدولية، ومع الإقرار بوجود بعض الحالات الفردية لإساءة المعاملة؛ إلا أن المسألة تجاوزت كل حدودها الممكنة، وأصبحت تحتم إعادة قراءة المشهد والقيام بدراسات معمقة للوضع الاجتماعي في بلداننا، وهو وضع جامد لا يستجيب للتغيرات الإقليمية والدولية، ولا يأخذ المتغيرات الاقتصادية بعين الاعتبار.

ويبقى السؤال الأهم، لماذا يقبل أي شخص بتعريض كرامته الشخصية وكرامة بلاده كدولة للإهانة فقط لأنه يرى أن قيامه وأسرته بتخصيص وقت للأعمال المنزلية ينطوي على شبهة الحط من قدره ومكانته الاجتماعية، في حين لا يمانع أن تأتي سيدة غريبة من بيئة بعيدة لتصبح جزءًا من نسيج العائلة تلامس أدق تفاصيل حياتها وترسم قدرًا معتبرًا من ذاكرة الصغار والكبار؟

إن السؤال يجر خلفه سيلاً من الأسئلة حول ماهية الاحتياج الحقيقي لوجود فرد جديد في العائلة وطبيعة العلاقة مع هذا الفرد والتعامل مع الإيجابيات والسلبيات، تلك الأسئلة بلا شك ستجعلنا أكثر وضوحًا في تشخيص الداء والدواء والوصول إلى قناعات جديدة تعيد تشكيل المجتمع وتؤثر في حالة الجمود التي وقفت سدًّا منيعًا أمام النمو الطبيعي للمجتمع، والذي أصبح لا يتصور حياة مستقرة من دون وجود عاملة منزلية، بغض النظر عن وجود حاجة حقيقية إليها من عدمها.

المناهج التعليمية والأعراف الاجتماعية التي أنّثت العمل المنزلي، ورأت في تكاتف أفراد الأسرة، ذكورًا وإناثًا، في تحمل المسؤوليات الشخصية على أقل تقدير وجعلته حكرًا على المرأة، مدعوة إلى مراجعة عامة تغير مفاهيم خاطئة تم تطبيعها والتعامل معها كمسلمات من دون العودة إلى موروث ديني راقٍ؛ كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خير معين للتصدي لتلك المسؤولية معينًا لأسرته، وما نقلته المرويات عن الخلفاء الراشدين وسلف الأمة الصالح، فضلا عن الجوانب التربوية التي جعلت أجيالاً تفتقد حس المسؤولية والروح القيادية والانتماء إلى الأسرة، وبالتالي إلى المجتمع والوطن، كنتيجة لنظرة دونية لأعمال طبيعية في نظر كل المجتمعات، ومن هنا يتعامل الآخرون مع هذه المجتمعات بروح الاستغلال والابتزاز لأنها في نظرهم مجتمعات اتكالية وغير صالحة لتحمل الأعباء.

إضافة إلى تربية هذه الأجيال على الكسل والتخاذل والرضوخ للإملاءات والابتزاز للتهرب من تحمل مسؤوليات اعتيادية من جهة، وخلق أجيال أخرى مجبولة على العنصرية والنظرة الدونية إلى مئات ملايين البشر من مواطني بقاع أخرى، واعتبار قبولهم القيام بأعمال نترفع عنها فسحة للحط من كرامتهم واستعمال كل صنوف القسوة والعنف في التعامل معهم.

لعقود طويلة كرست الدراما العربية والخليجية صورًا نمطية للعلاقة غير السوية بين ربة المنزل والعاملة، لا تخلو من صور تشرعن مظاهر العنف والتخوين والاستغلال في أبشع صوره، والنتيجة هي ما نراه اليوم من مشاهد تتعدى الجوانب الاجتماعية والثقافية لتصل إلى العلاقات الدولية.

- ورق أبيض..

في مجمع تجاري شهير بإحدى الدول استرعى انتباهي مرأى زوجة في مطلع العشرينات برفقة زوجها، بديا لي في مقتبل حياتهم الزوجية، وخلفهما سارت عاملة آسيوية تحمل حقبة الزوجة التي لا يتجاوز حجمها كف يدي..  مشهد يلخص كل جوانب المأساة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news