العدد : ١٤٦٩٩ - الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٩ - الخميس ٢١ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

كيف نكسب وننمي الذكاء الاجتماعي لدينا؟

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٣ مايو ٢٠١٨ - 01:20

نحن نؤمن بأن الإنسان خُلق على اعتباره كائنا اجتماعيا، فهو يألف ويؤلف، ولديه كل الإمكانيات التي تجعله أكثر سعادة في حياته ومجتمعه، وخاصة إن شعر أن الذين يُحيطون به يرحبون بوجوده وتواجده، إلا أن البعض قد يُصاب بالفزع عندما يُدعى لحضور حفل جماعيّ أو اجتماع يضمّ الكثير من الأشخاص الغرباء، وهذا الشعور الذي ينتاب البعض يحدث معهم نتيجة عدم قدرتهم على التعايش مع الآخرين ومخالطتهم، والارتباط بهم.

وقد يسأل الإنسان نفسه حينئذ كيف لي أن اختلط بكل هؤلاء الناس؟

ولقد وجدنا الكثير من الناس من يخاف الذهاب إلى مجالس العزاء وتقديم واجب العزاء لبعض العائلات حين وفاة شخص عزيز لديهم، أو أن يذهب إلى حفل زواج لتقديم التهاني للعريس، كل ذلك بحجة أنهم لا يعرفونه أو أنه لا يعرف أحدا منهم، وإن ذهب فإنه يبقى منعزلاً خائفا ينتظر أن تمر الدقائق حتى يغادر، ويجلس طوال الوقت يعبث بالهاتف الذكي المرافق له دائمًا.

إلا أنه يجب أن نعرف أن الذكاء الاجتماعي هو مجموعةٌ من المهارات التي تجتمع مع بعضها البعض، لتجعل الفرد قادرًا على الارتباط مع الآخرين، وهي القدرة على التواصل مع المحيطين بفعاليةٍ عاليةٍ؛ فعندما يكون الإنسان قادرًا على فهم عقله وذاته، ويحاول التعايش معهما فهو بذلك يملك قدرة كبيرة، أمّا إن كان قادرًا على التعايش، والتواصل مع الآخرين، والتعامل معهم بنجاحٍ في وقتٍ واحدٍ، فهو بذلك يمتلك قدرةً أكبر منه، وهي تُعبر عن ذكاءٍ صادر منه، وهي علامةٌ من علامات العبقرية؛ وذلك لأن الأذكياء اجتماعيًا يستخدمون كافة ما لديهم من طاقاتٍ كامنة، وإمكانياتٍ كبيرة، جسدية وعقلية للتواصل مع الآخرين، ومحاولة قراءة أفكارهم، ومساندتهم، وتشجيعهم على النجاح، والإبداع في حياتهم، وتكوين صداقات جديدة، وزيادة حلقة الصداقة مع الآخرين، والمحافظة عليها.

وبناء على هذا المبدأ وإن كنا نتحدث عن أن الذكاء الاجتماعي مجموعة عن المهارات فهذا يعني ببساطة أن الذكاء الاجتماعي يمكن اكتسابه وتنميته بمرور الزمن وذلك من خلال السعي الجاد والرغبة الأكيدة في ذلك والممارسة والتدريب، ولكن كيف؟ والإجابة عن ذلك من خلال بعض النقاط والأمور التالية، علمًا أن الذي سوف يذكر ليس كل المهارات وإنما هذا الموضوع كبير ويحتمل الكثير:

1. الابتسامة؛ والابتسامة هي بوابة الإنسان لبلوغ النفوس الأخرى وهي المفتاح التي تفتح بها القلوب المغلقة، وهي العنوان الذي يرشد الناس إلى المعدن الأصيل، فابتسم لمن عرفت ومن لم تعرف، وديننا هو الذي يحثنا على التبسم، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَبَسُّمُك في وَجْه أَخِيك لك صدقة» رواه الترمذي.

2. لا تغضب؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: «لا تغضب»، فردد مرارًا، قال: «لا تغضب»؛ رواه البخاري. فليس من الحكمة أن يشتد بنا الغضب عندما نحاول أن نعيش ونعايش البشر، فالكثير من البشر يخطئون في حقنا، والكثير منهم قد لا يقدرون مقامنا، وعلى الرغم من ذلك فإنه يجب أن نتحكم في هذه العاطفة التي إن تملكت من المرء فإنها وبكل بساطة تتحكم في عقله ووجدانه وتفكيره، فلا يستطيع أن يفكر ولا أن يتخذ قرارًا، ولا حتى يستطيع أن يتكلم، فمعاشرة البشر تحتاج إلى كم كبير من التحكم في النفس.

3. إلقاء التحية وإفشاء السلام في المجتمع؛ وهذا أيضًا من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يوحد المجتمع المسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»، رواه مسلم. فإلقاء التحية وإفشاء السلام تشعر الآخرين أنك تهتم بهم وأنك تحبهم وهذا مهم في الذكاء الاجتماعي. 

4. أظهر الاهتمام بالآخرين؛ وهذه قاعدة من القواعد المهمة في كسب محبّة الآخرين، وثقتهم، وهي كفيلةٌ بأن تؤدّي إلى نتائج عظيمةٍ ينالُ منها الشخص ما يسعى إليه، وتكون سببًا في تَحقيق أهدافه؛ فالإنسان يستطيع أن يكسب اهتمام ومحبة أبرز النّاس، وأرفعهم قدرًا إذا أبدى الاهتمام والعناية بهم.

5. لا تتعجل في مُحاسبة الآخرين على ما قَد يصدر منهم من أخطاء أو هفوات؛ فالإنسان كائنٌ حساسٌ، عاطفي بطبعه، يتأثر بأقلّ الكلمات؛ فانتقاد الشخص، أو لومه قد يكون بمثابة شرارةٍ خطيرةٍ من شأنها تدمير صاحبها، ومن شأنها أن تحرق عاطفته، وكبرياءه، وخاصة إن حدث ذلك أمام الآخرين، فالانتقاد مهما كان فهو غير مقبول إلا في حدود ضيقة تمامًا، فما بالنا ونحن نتحدث عن تنمية مهارات الذكاء الاجتماعي؟

6. اجعل الآخرين الذين تقابلهم يحبونك؛ وذلك بإظهار محبتك لهم وتقديرك لذاتهم، فكلّ إنسانٍ لديه ما يُميّزه عن الآخرين ولديه جوانب مشرقة في شخصيّته تجعله فريدًا في نظرته لذاتهِ وتُشعرهُ بأفضليته، ولذلك على من أراد كسب ودّ الآخرين والتحلي بالذّكاء الاجتماعي أن يُظهر لهم مدى تقديره للصفات التي يتميزون بها. يقول إيمرسون: «كلّ إنسانٍ أقابلهُ أفضل منّي في ناحيةٍ واحدةٍ على الأقل، وفي هذه النّاحية يمكنني أن أتعلّم منهُ». 

7. البعد عن العبارات التي تُبيّنُ الاستخفاف بذكاء الآخرين، وبقدراتهم العقليّة والثّقافيّة، وتوحي بالغرور والتكبّر؛ كأن يقول الشخص أثناء الحوار: «سأبرهن على كذا وكذا» فمثل هذه العبارات تعني: «أنا أذكى منك»، وبالتالي فإن الشخص الآخر ستكون لديه ردّة فعلٍ عكسية، فهذا تحدّ صريح من المتحدّث يثير العداء، ويدفع الطرف الآخر للهجوم في المحادثة قبل البدء فيها، فعلى الشخص المحاور والذي يتميّز بالذّكاء الاجتماعي أن يتحدث بلباقةٍ وكياسةٍ مطلقةٍ، كأن يقول مثلاً: أنا لي رأيٌ آخر في هذه المسألة، وقد أكون مخطئًا، فقول الشخص «قد أكون مخطئًا» يمنعه من الوقوع في المشكلات والاعتراضات، ويوحي للطرف الآخر بأنّه قد يكون هو مُخطئًا أيضًا.

8. الاهتمام باللقاء الأول مع الآخرين؛ فغالبًا ما تُبنى اللقاءات على اللقاء الأول؛ حيث يحكُم الناس على الفرد من خلال اللقاء الأول له، وما تصدر عنه من كلماتٍ وتصرفات، فمن بدأ لقاءه الأول بالتهريج والضحك من الصعب على الطرف الآخر أن يتكلّم معه بجدية في اللقاءات الأخرى. 

9. احترم نفسك وقدرتها حتى يحترمك الآخرون؛ فنحن نعتقد أنه بمقدار تقدير الفرد لذاته ونفسه يتمّ تقبّل الآخرين له، وهذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الفرد في تحديد الشكل الاجتماعي الذي ينظر إليه الآخرون؛ فالشخص الذي لديه ذكاءٌ اجتماعي يعرف أنّ المكانة التي يضعها الناس له هي ذاتها التي اتخذها هو لنفسه والتي تتناسب معه، وعند ذلك الوقت سيلتزم الآخرون بالتعامل معه كما يريد، فهو من قرّر وحدّد مكانته ودرجته عند الآخرين؛ فإن تصرف الفرد على أنّه لا شيء فالجميع سيعاملونه بالقيمة نفسها التي حدّدها لنفسه، وإن تصرّف على أنّ له شأنا عظيما فإنّهم لن يكون لديهم الخيار سوى أن يعاملوه بأنه شخصٌ ذو شأنٍ عظيم.

10. فن الإصغاء للآخرين؛ من الأخطاء والأوهام الكبيرة التي نعيشها أو يعيشها معظمنا أن نتحكم بالحوار في معظم الوقت ذلك بسبب اعتقادنا أنه دليل الذكاء، وهذا خطأ، فالناس تبحث عمن يسمعها وينصت إليها، لا أن تبقى هي صامتة وتسمع. ولقد أشارت بعض الدراسات إلى أن نسبة أوقات اليقظة التي نقضيها في التواصل مع الآخرين تتراوح ما بين 50 و80% وما نقضيه من ضمن هذه المدة في الإصغاء يصل في المتوسط إلى النصف. هذا يعني أن الإصغاء كمهارة هو الأكثر استخدامًا من التحدث والقراءة والكتابة، بينما الكلام فهو الأقل اهتمامًا مقارنة ببقية مهارات التواصل.

11. عبر عن امتنانك للآخرين وخاصة قرب انتهاء اللقاء؛ وذلك يمنحك سمعة طيبة أنك تراعي مشاعر الآخرين وتقدرهم. ولتقوية أثر امتنانك أرسل خطاب شكر أو تعليقا موجزا للشكر في اليوم التالي أيضًا، وتأكد أنك إذا شرحت سبب تعبيرك عن الشكر لأي شخص فتأكد من أنك ستحظى بابتسامة عريضة كمكافأة لك، وسيرحب بك في مقابل ذلك دائمًا. 

ولمرحلة متقدمة من الامتنان، إذا تلقيت خدمة جيدة من أي شخص فلا تكتف بالتعبير عن شكرك له بل عبر عن شكرك لرئيسه في العمل أو اكتب إلى المؤسسة التي يمثلها وقل لهم إنك قد أعجبت بكفاءته ومهارته في العمل.

12. طقوس الترحيب؛ أكثر الطرق حداثة في الترحيب هي تبادل بطاقة الأعمال، ويُفضل أن تكون مطبوعة بحروف واضحة للقراءة. واحرص على قراءتها والتعليق إيجابيا عليها، وإذا لم تغادر المكان فورًا فاحرص على أن تضعها في مكان ظاهر باستمرار أثناء لقائكما معًا.

13. الانضمام إلى الأندية والمؤسسات التطوعية يمكن أن تعد من الأشياء التي يمكنها أن تساعدك أيضًا في اكتساب الذكاء الاجتماعي في حياتك؛ فالانضمام إلى الأندية الرياضية المختلفة، أو الانضمام إلى المؤسسات التطوعية الموجودة في بلدك يمكن أن يساعدك على بناء علاقات جيدة مع الآخرين، ويمكنك الاستفادة منها في حياتك الشخصية والعملية. 

14. تخلص من هاتفك عندما تدخل مناسبة اجتماعية؛ فوجود الهاتف بين يديك وانشغالك به يعطي الآخرين الراغبين في التحدث معك شعورا بأنك مشغول في قضية مهمة وأنك تريد الاختلاء مع نفسك، لذلك فإنهم سيتجنبونك ومع الوقت سيهملون وجودك وتصبح كأنك غير موجود في تلك المناسبة.

15. احذر الجفاء؛ كل علاقة اجتماعية في البداية تكون حماسية ومليئة بالتفاصيل، ولكن مع التقادم يحدث جفاء، فتجنب أن تهمل علاقاتك، وبادر بالبحث عن الآخر والسؤال عنه، حتى لا تجدهم يومًا منفضين من حولك، ولا تقل «يجب أن يتصل بي أولاً حتى أتواصل به»، وإنما قل «لا أعرف لماذا لا يتصل ربما يعاني، دعني أتصل به أنا أولاً»، فالمبادرة من طرفك تعني الكثير للطرف الآخر، وخاصة إن كان الشخص الآخر على علاقة جيدة معك.

16. شارك الآخرين في أفراحهم وأحزانهم؛ نسمع بصورة يومية عن أحداث وأفراح، لنسأل أنفسنا كم من هذه المناسبات نشارك فيها؟ كم شخصا نقابل عندما نؤم مثل هذه الأماكن؟ ربما نقابل بعض الأشخاص الذين لم نرهم سنوات طويلة، وهذا يساعدنا على تجديد تواصلنا مع أشخاص فقدنا التواصل معهم.

17. شارك في المجالس والديوانيات بقدر ما يسمح لك الوقت؛ فالمجالس -كما يقال- مدارس، ففي تلك المجالس تتطور العلاقات وتنمو، وإن لم تستطع أن تشارك بمفردك في البداية فيمكنك أن تذهب مع أحد الأصدقاء، وبعد ذلك يمكنك أن تستمر وحدك. بالإضافة إلى أن هناك العديد من المجالس المفتوحة التي يمكن أن يرتادها العديد من الناس من غير إحراج.

18. لا تنس الصلاة في الجماعة؛ فجماعة المسجد ستعينك على التواصل، فتصور أنك تلتقيهم على الأقل ثلاث مرات في اليوم، تجالسهم وتتكلم معهم، وربما يتواصلون معك، فهذا يشجع كثيرًا وينمي قدراتك على التواصل وبالتالي الذكاء الاجتماعي.

19. راجع نفسك؛ فبين الفينة والأخرى راجع أسلوبك مع الجميع لتطوير الذكاء الاجتماعي لديك، وتعرف كيف تريد أن يعاملك الناس وعاملهم بالمثل، واعلم أنك إن أحسنت معاملة الآخرين سيحسنون إليك بنفس الطريقة.

نكتفي عند هذا الحد، وهذا لا يعني أن موضوع الذكاء الاجتماعي يتوقف عند هذه النقطة، وإنما الموضوع كبير ويحتاج إلى كتب ودراسات، والقصص والحكايات كثيرة، وكل ذلك نتركها لذكائكم ويمكنكم مراجعتها بينكم وبين أنفسكم.

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news