العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الإسلام.. وملفات ساخنة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٣ مايو ٢٠١٨ - 01:20

اهتم الإسلام اهتماما عظيمًا بملفات ثلاثة هي: الملف الأمني، والملف الصحي، والملف الغذائي، ذلك لأنها ملفات أو حاجات تقوم عليها حياة الإنسان، فالإنسان يحتاج إلى الأمن له ولأهله، ولمن يعول، وهو لا يستطيع أن يعمل فضلاً عن أن يبدع وهو يعيش حالة من الخوف والفزع.

والإنسان يحتاج إلى الأمن الصحي، فهو معرض دائمًا للعلل والأسقام، فإذا تم توفير الرعاية الصحية له ولأهله وولده شعر بالراحة النفسية، وبالرغبة في العمل والإنتاج، والإنسان محتاج إلى الطعام والشراب، أي إلى الأمن الغذائي، فالجائع لا يستطيع أن يفكر فضلاً عن أن يبدع ويسهم في بناء الوطن، فصوت أولاده الجياع يطغى على صوت الواجب والانتماء.

من هنا ندرك عظمة رعاية الإسلام واهتمامه بهذه الملفات الساخنة والحيوية، عن عبدالله بن محصن الأنصاري الخطمي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):[من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

هذا الحديث العظيم أجمل الحاجات الأساسية للإنسان في ثلاث حاجات: الأمن، والصحة، والغذاء، وبلغة هذا العصر، فهي ملفات ثلاثة: الملف الأمني، والملف الصحي، والملف الغذائي، وأي حضارة تخفق في تحقيق هذه المتطلبات الثلاث، فهي حضارة فاشلة وإن ادعت أنها حضارة متقدمة بسبب تقدم الوسائل عندها، لأن هناك فرقا كبيرا بين الحضارة والمدنية، لأن الحضارة تقدم غايات، والمدنية تقدم وسائل، فالبدوي مثلاً الذي يملأ خيمته بالوسائل الحديثة والأدوات التي لم تكن في عصور مضت، هل نقول عنه انه إنسان متحضر؟ إنه إنسان يملك وسائل الحضارة لا غاياتها!.

إذن، فنستطيع أن نقول: إن الملفات التي اعتنى بها الإسلام، وحرص على توفيرها لأتباعه هي التي ميزت حضارته عن غيرها من الحضارات. 

الآن إلى شيء من التفصيل حول هذه الملفات الساخنة، ونبدأ بالملف الأمني الذي بدأ به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديثه الشريف، قال تعالى:«وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم» الأنفال/61.

الإسلام دعوة إلى السلام، لهذا جعل شعاره «السلام»، وتحية أهله السلام، وتحيتهم يوم يلقونه سبحانه في يوم القيامة السلام، يقول تعالى:«لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون» الأنفال/127.

إن الأمن من الحاجات الضرورية التي لا تستقيم حياة الإنسان ألا بها، فالإنسان الخائف المُفَزّع مشلول العقل والإرادة، وهو يتوقع الشر في أي لحظة، فإذا كان له أهل وولد تضاعف حجم الخوف والفزع عنده، وعظم قلقه، ولا ترتاح نفسه، ولا يطمئن قلبه حتى يشعر بالأمن والأمان، ومن أسباب الخوف الظلم وشيوعه بين الناس، وفي تحريم الظلم، والتحذير منه تحقيق للمطلب الأمني، يقول تعالى: «وما للظالمين من نصير» الحج/71، وقال صلوات ربي وسلامه عليه: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] رواه مسلم.

والإسلام حتى يوفر الأمن داخل البلاد دعا إلى المصالحة مع الآخر خارج الوطن، فقال تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» الممتحنة/8، وفي هذا تنظيم للعلاقات الدولية مع الأمم الأخرى، وحين يُؤّمِن الإسلام حدوده الخارجية، فإن الأمن الداخلي سوف يحظى بجل اهتمامه، وهو ثمرة من تحقيق الأمن الخارجي.

والآن يأتي دور الحديث عن الملف الصحي الذي جاء التنويه عنه فيما رواه ابن عباس(رضي الله عنهما) من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] رواه البخاري، وهذا التنويه بمكانة الصحة كأحد الملفات التي اعتنى بها الإسلام يقودنا إلى توجيهات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في العناية بالبيئة، والحرص على النظافة حتى لا تنتشر الجراثيم الناقلة للأمراض، فعن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):[نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود، إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود] رواه الترمذي، وهو حديث حسن.

وقال صلى الله عليه وسلم في معرض الوقاية والحجر الصحي: [إذا سمعتم الطاعون بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها] متفق عليه، ثم حضنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على البحث عن العلاج، واختيار الدواء المناسب، من خلال وصف الطبيب الحاذق للعلة ووصف الدواء لها، قال صلى الله عليه وسلم: [ما أنزل الله عز وجل من داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله] البخاري ومسلم.

كما حذّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من تناول شيء محرم كعلاج، فقال (صلى الله عليه وسلم):[إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم] البيهقي.

ونختم هذه الملفات الساخنة، بل الشديدة السخونة بالملف الغذائي، والغذاء ضرورة من ضرورات الحياة يحتاج إليه كل مخلوق حي، فما بالكم بالإنسان الذي تقوم عليه عمارة هذه الأرض؟! قال تعالى: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» الأعراف/31، وقال صلى الله عليه وسلم: [طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة] متفق عليه، ومن كلام الحارث بن كلدة، طبيب العرب، قال: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء»، ويوافق هذا قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: [ما ملأ آدمي وعاءً شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفَسِه] رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. 

هذه هي الملفات الساخنة التي أولاها الإسلام عظيم رعايته، وكبير اهتمامه، وهي قد تكون في صالح الأمة

تكشف درجة تحضرها، وقد يكون ذلك حجة على تفريطها وتخلفها. 

وبعد، فالخلاصة التي انتهينا إليها هي أن الحضارة الإسلامية هي حضارة إنسان، أما الحضارات الأخرى فهي حضارات بنيان، وشتان بين الإنسان وبين البنيان !!

 

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news