العدد : ١٤٨٢٣ - الثلاثاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٣ - الثلاثاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

إبحار في فكر الشيخ محمد الغزالي لماذا كانت قِبلةُ العالم في أرضنا؟ (1)

إعداد: د. أحمد علي سليمان *

الجمعة ١١ مايو ٢٠١٨ - 11:42

 

الشيخ محمد الغزالي هو أحد كبار العلماء الذين وهبهم الله تعالى للأمة الإسلامية في القرن العشرين، أسهم رحمه الله في نشر الفكر الإسلامي في كل مكان، وخلف كتابات تجديدية تنويرية قلما يجود الزمان بمثلها، فعندما تقرأ له يتحرك بك وبعقلك طولا وعرضا وعمقا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا يطوف بعقلك في لحظة واحدة شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها.. إنه عطية الله لمصر والعرب والعالم الإسلامي كله..

وقد رأينا أن نعيش مع فكر هذا الرجل في هذه الحلقات بإذن الله تعالى.. لعلنا نقتبس نورا مما أفاء الله تعالى به عليه رحمه الله.. يتحدث الشيخ محمد الغزالي رحمه الله عن تحويل القبلة حديثا ماتعا، ويحلل الأمور وكأنه يعيش بين الصحابة، فيقول: قبل بضعة أسابيع مِن معركة بَدْرٍ وقَعَ حدَثٌ دلالته العميقة في صلة المسلمين بأهل الكتاب؛ فقد كان بيت المَقدس القبلةَ التي يتَّجه إليها أصحاب الأديان السماوية جميعًا، ثم صدر الأمر إلى المسلمين أن يتحوَّلوا مِن بيت المقدس إلى مكة المكرمة. ما سِرُّ هذا التحوُّل؟ ويجيب: الواقع أن أهل الكتاب ما كانوا سُعداء بالدين الجديد! ولا فَهِمُوا مِن وَحْدةِ القِبْلة أن قَرابةً مُشتركة تَرْبطهم بأتْبَاعِه! الذي حدث أنهم ضَاقوا أشدَّ الضِّيق بالنبيِّ العربيِّ، وعَدُّوهُ مُنافسًا مَحْذورًا، كأن الأمر صراعا على مَغْنَمٍ عاجلٍ أو مَأْرَب قريب! ولو كان أهل الكتاب مُخلِصين لأديانهم لكان لهم موقف آخر، فإن العرب كانوا عُبَّادَ أصنام حتى عرَّفهم محمدٌ بالإله الواحد، وكانوا يعيشون ليَوْمهم حتى أقنعهم بالعمل لليوم الآخِر، وكانوا لا يَدْرُون شيئًا عن نُبوَّةٍ سبقت حتى حدَّثهم عن موسى وعيسى وغيرهما مِن المُرسلين!

فلِمَ الضيق بهذه الرسالة ومُخاصمة صاحبها؟ بيد أن الأمر تَجاوَزَ الخُصومةَ المُحتمَلةَ إلى ضرْبٍ مِن اللَّدَدِ يُثير الاشمئزاز، تَدَبَّرْ قوله تعالى: (وَدَّ كثيرٌ مِن أَهْلِ الكتابِ لوْ يَرُدُّونَكُمْ مِن بَعْدِ إيمانِكمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِن عنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بعدِ ما تَبَيَّنَ لهم الحقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) (البقرة: 109)، وإذا كانت للمُسلمين مساجدُ تَنْبعث مِن مَنائرها صَيْحات التوحيد وتَستقبل ساحاتُها الرُّكَّعَ السجودَ، فإن أهل الكتاب تَوَاصَوْا بصَرْف الناس عن هذه المساجد وتآمَروا على تهْدِيمها (ومَن أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسمهُ وسَعَى فِي خَرَابِهَا) (البقرة: 114) فلمْ يَبْقَ بعدئذٍ مَسَاغٌ لمُشاركة هؤلاء الحاقدينَ قِبْلَتَهُمْ، وانْبعثَتْ في نفس الرسول الكريم الرغبةُ في الاتجاه إلى القبلة الأولى، إلى الكعبة التي بناها جدُّه الأكبر إبراهيم الخليل، ولكنَّه لا يستطيع ذلك إلا بإذْن من الله، فلْيَنتظرْ ولْيُؤَمِّلْ! ثم جاء على تَلَهُّفٍ وشوْقٍ الأمرُ الإلهيُّ (قد نرَى تَقلُّبَ وَجْهِكَ في السماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسجدِ الحَرامِ) (البقرة: 144) فاتَّجه المسلمون إلى الكعبة المُشرَّفة بعد قُرابة سبعة عشر شهرًا من الصلاة إلى بيت المقدس. وقد كانت هذه المُدة كافيةً لفَضْح ضغائن اليهود، وظنِّهم أن الدِّين مُؤسسة احتكارية يُديرها حُكماءُ صهيون كمَصلحة جنْسٍ مِن الأجناس إنهم لا يَفهمون ولا يُريدون أن يفهموا أن الدين علاقةٌ سَمْحة رَحْبة بين الناس وربِّ الناس.

 ويستطرد رحمه الله: وقد بَدَا لي مِن تجاربَ كثيرةٍ أن المُتاجرين بالحقِّ قد يَكونون شَرًّا مِن المَخْدُوعينَ بالباطلِ، وأنّ العرب الأُمِّيِّينَ كانوا بنَقاء سرائرهم أصْلحَ للحياة والأحياء مِن أهل الكتاب المُستكبِرين الشَّرِهِين.

كان أولئك العرب يَعْتَزُّونَ بكَعْبتهم ويَرغبون طول عُمرهم في استقبالها، وهم لم يَنْسَوا أن اللهَ حمَاها عندما أراد أبرهة هَدْمَها! وأن قُوَى السماء هي التي تَصدَّت للمُغِيرِين لمَّا عجَز أهل الأرض عن الدفاع، فإذا الجيش المُعتدِي يَلْقَى (طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) مع ما كان للمسجد الحرام مِن هذه المَكانة الوطِيدة، فإن الصحابة قبِلُوا عن طِيبِ خاطرٍ تَرْكَ استقباله لمَّا هاجروا، ولبُّوا أَمْرَ الله باستقبال بيت المَقدس! كان امتحانًا صعْبًا غير أنهم نَجَحُوا فيه (ومَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ التِي كُنْتَ علَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ وإن كانَتْ لَكَبِيرَةً إلَّا علَى الذِينَ هَدَى اللهُ) (البقرة: 143).

إن الكمال البشريَّ كما يقول الشيخ محمد الغزالي لا يَصنعه استقبال مكانٍ هنا أو مكان هناك! الكمال المَنشود عملٌ حقيقيٌّ داخل النفس الإنسانية تَزْكو به وتسمو. وللحديث بقية.

* عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news