العدد : ١٤٦٧١ - الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٧١ - الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (24)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ١١ مايو ٢٠١٨ - 11:40

المرحلة المصرية (4)

قد عرفت في الحلقة السابقة ما قاله مؤرخ الأزهر وعضو الجمعية التاريخية العربية الإسلامية الدكتور مجاهد توفيق الجندي من أن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» ليس للشيخ علي عبدالرازق وإنما هو للدكتور طه حسين.

ونضيف في هذه الحلقة دليلاً آخر على ذلك نشدّ به عضد أخيه لتعرف الينبوع الآسن لهذا الكتاب ولأمثاله من الكتب التي تلف لفه وتدور في فلكه حتى لا تخدعنك كواذب الألقاب وكبار المناصب. يقول الأستاذ أنور الجندي في كتابه (معالم تاريخ الإسلام المعاصر):

«حملت بريطانيا على الخلافة في تركيا حملات عنيفة في صحافة العالم ركزت فيها على أمرين:

أولهما: التشكيك في الخلافة كأساس للنظام الإسلامي.

ثانيهما: تشويه سمعة الخليفة نفسه.

ونحن لا ننكر أن الخلفاء وأعوانهم ارتكبوا أخطاء ما كان لهم أن يرتكبوها لأنها أشعلت نيران الغضب في النفوس وليس هنا مجال مناقشة ذلك.

ولكن بريطانيا استغلت ذلك أسوأ استغلال، حتى كلفت مستشرقاً كبيراً بالكتابة عن الخلافة -من وجهة نظره طبعاً- وهو اليهودي «مَرْجِلْيُوث».

وتم نشر كتاب «مرجليوث» في الهند، ولكن المسلمين الهنود ثاروا في وجه بريطانيا ثورة عنيفة وألفوا جمعية زلزلت الأرض تحت أقدام بريطانيا أطلقوا عليها جمعية الخلافة للدفاع عنها والرد على ما أثير حولها من أكاذيب.

ثم نقل الشيخ علي عبدالرازق (أو نُقل له) كتاب مرجليوث إلى اللغة العربية مع بعض الإضافات وكتب عليه اسمه حسبما أشار إلى ذلك الدكتور ضياء الدين الريّس في بحثه الذي أعده لذلك» أ هـ.

نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم

والآن جاء دور الحديث عن نقض الإمام محمد الخضر للكتاب المنسوب إلى الشيخ علي عبدالرازق ذلك النقض الذي يقول عنه الدكتور محمد رجب البيومي:

«وكأن المصادفات العلمية الفذة قد هيأت للرجل أن يجول الجولة الثانية بمصر بعد جولته الأولى (يقصد بجولته الأولى نقضه لكتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين ولسوف يأتي الحديث عنه إن شاء الله).

وذلك حين صدر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» بمصر لعالم من علماء الأزهر، قد امتلأ يقيناً بأقوال الاستشراق فجعلها المنبع الأول لفهم نظام الحكم في الإسلام على نحو يقرب من تعاليم المسيحية وحدها، إذ المعروف المتفق عليه أن المسيحية دين لا دولة ولكن الاسلام شيء والمسيحية شيء آخر.

فالإسلام دين ودولة والرسول صلى الله عليه وسلم حاكم ومبلغ معا وآيات القرآن مليئة بما يجعل هذه الحقيقة من البديهيات!

ولكن الأستاذ علي عبدالرازق يجهر بدعواه واهماً أنه وحده صاحب القول الفصل! وقد تطرق إلى الرد عليه في الصحف اليومية من لا يقف معه على مستوى واحد.

كما وجد من تساند الإلحاديين وتكالبهم على تأييده بما يملكون من صحف وأندية وأقلام ما يخلع على كلامه بعض الوجاهة لدى الضعفاء.

ولكن السيد محمد الخضر -نضَّر الله وجهه- يتصدى لهذا الإفك الصريح، فيأتي على بنيانه من القواعد، وكان مجاله النقدي هذه المرة في قمة من القوة والتمكن والإفحام، لأن الجدال ليس في الرواية والقصص والانتحال كما في أكثر فصول كتاب «في الشعر الجاهلي»، ولكنه يدور حول قواعد أصولية عميقة في الفقه والحكم والتشريع، ويجد من تاريخ الإسلام الحافل برجاله وحوادثه ومؤلفاته ما يعين على جلاء الشك ورد الزيغ، لذلك كان مؤلَّف الخضر حجة قوية تقود المنصفين إلى مراشد اليقين.

وقد ظل الأستاذ علي عبدالرازق ضائقاً به حتى بعد ربع قرن من صدوره وانتهاء المعركة على نحو يرضي المخلصين.

ولقد قرأت كلمة في مجلة لواء الإسلام (السنة الثامنة) تنبئ عن غضبه الموقد على الشيخ يعيب عليه طريقته في نقد الكتاب، ومجمل العيب عنده أن الشيخ ينتقد كل نص من نصوص الكتاب على حدة ثم يفنده بالرأي والدليل وذلك أدعى إلى تمزيق الفصل الواحد وتشتيته. ونحن نقول (والكلام للدكتور البيومي) للأستاذ علي عبدالرازق: إنه قد ظلم الحق فيما قال لأن هذه النصوص تأتي متوالية متعاقبة. وقارئ النقد يستطيع أن يجمعها بسهولة لتكون كل ما جاء بالفصل الواحد من الكتاب، وهي بعد خير وأقوم من مسلك ناقد يلخص الموضوع من عنده ثم يعقب عليه, إذ ربما فات من التلخيص شيء مهم لا يعرفه القارئ المحايد ولا ندري كيف يحافظ الخضر على نصوص الكتاب جميعها فلا يسقط منها شيئاً ذا بال, ثم يكون ذلك مطعناً يوجه إليه من ناقد نبيه. إن الغيظ الذي لم يخمد في نفسه هذه المدة هو وحده الذي دفعه إلى ما كتب بل تجاوز النقد العلمي النزيه إلى أمور شخصية لا علاقة لها بالبحث من قريب أو بعيد». أهـ

وإليك المقدمة التي افتتح بها الشيخ محمد الخضر نقضه لكتاب «الإسلام وأصول الحكم» فهي قطعة أدبية رائعة.

يقول الرجل:

أحمد الله على الهداية، وأساله التوفيق في البداية والنهاية، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد المبعوث بأكمل دين وأحكم سياسة، وعلى آله وصحبه وكل من حرس شريعته بالحجة أو الحسام وأحسن الحراسة.

وقع في يدي كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبدالرازق فأخذت أقرؤه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال بالشبهات. وكنت أمر في صحائفه الأولى على كلمات ترمز إلى غير هدى فأقول: إن في اللغة كناية ومجازا ومعميات وألغازاً، ولعلها شغفته حباً حتى تخطى بها المقامات الأدبية إلى المباحث العلمية. وما نشبت أن جعلت المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء وتناديها قوانين المنطق فلا تعبأ بالنداء. وكنت -بالرغم من كثرة بوارحها- أصبِّر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر فأخطأ مقدماتها الصادقة. وما برحت أنتقل من حقيقة وضاءة ينكرها إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرفت على خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء أو الغراب بالغراب.

فوَّق المؤلف سهامه (أي جهز سهامه وصوَّبها) إلى أغراض شتى، والتوى به البحث عن غرض إلى آخر حتى جحد الخلافة، وأنكر حقيقتها وتخطى هذا الحد إلى الخوض في صلة الحكومة بالإسلام، وبعد أن ألقى حبالاً وعصياً من التشكيك والمغالطات، زعم أن النبي -عليه السلام- ما كان يدعو إلى دولة سياسية وأن القضاء وغيره من وظائف الحكم ومراكز الدولة ليست من الدين في شيء، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها. ومس في غضون البحث أصولاً لو صدَّق عليها ظنه لأصبحت النفوس المطمئنة بحكمة الإسلام وآدابه مزلزلة العقيدة مضطربة العنان.

كنا نسمع بعض مزاعم هذا الكتاب من طائفة لم يتفقهوا في الدين ولم يحكموا مذاهب السياسة خبرة، فلا نقيم لها وزناً، ولا نحرك لمناقشتها قلماً، إذ يكفي في ردها على عقبها صدورها من نفر يرون الحط في الأهواء حرية، والركض وراء كل جديد كياسة.

كنا نسمع هذه المزاعم، فلا نزيد أن نعرض عمن يلغطون بها حتى يخوضوا في حديث غيرها. أما اليوم، وقد سرت عدواها إلى قلم رجل ينتمي إلى الأزهر الشريف، ويتبوأ في المحاكم الشرعية مقعداً، فلا جرم أن نسوقها إلى مشهد الأنظار المستقلة ونضعها بين يدي الحجة، وللحجة قضاء لا يستأخر وسلطان لا يحابى ولا يستكين.

لا أقصد في هذه الصحف أن أعجم الكتاب جملة، وأغمز كل ما ألاقيه فيه من عوج، فإن كثيراً من آرائه تحدثك عن نفسها اليقين، ثم تضع عنقها في يدك، دون أن تعتصم بسند أو تستتر بشبهة، وإنما أقصد إلى مناقشته في بعض آراء يتبرأ منها الدين الحنيف، وأخرى يتذمر من أجلها التاريخ الصحيح، ومتى أميط اللثام عن وجه الصواب في هذه المباحث التاريخية، بقي الكتاب ألفاظاً لا تعبر عن معنى ومقدمات لا تتصل بنتيجة.

والكتاب مرتب على ثلاثة كتب، وكل كتاب يحتوي على ثلاثة أبواب وموضوع الكتاب الأول:

الخلافة والإسلام

وموضوع الكتاب الثاني:

الحكومة والإسلام.

وموضوع الكاتب الثالث:

الحكومة والخلافة في التاريخ.

وطريقتنا في النقد أن نضع في صدر كل باب ملخص ما تناوله المؤلف من أمهات المباحث، ثم نعود إلى ما نراه مستحقاً للمناقشة من دعوى أو شبهة فنحكي ألفاظه بعينها ونتبعها بما يزيح لبسها، أو يحل لغزها أو يجتثها من منبتها.

وتخيرنا هذا الأسلوب لتكون هذه الصحف قائمة بنفسها ويسهل على القارئ تحقيق البحث وفهم ما تدور عليه المناقشة ولو لم تكن لديه نسخة من هذا الكتاب المطروح على بساط النقد والمناظرة» أ هـ.

(وإلى حلقة أخرى إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news