العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الثقافي

سرديات «كتاب وصف العالم» واختلاقات ماركوبولو!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٠٥ مايو ٢٠١٨ - 01:20

تشتمل مدينة فينيس الإيطاليّة الأسطورية الجمال على مطار فيها اسمه «مطار ماركوبولو»، وهو الرحَّالة الإيطاليّ الكونيّ الذي مهم عشقًا بهذه المدينة. وفي رواية «مدن لا مرئية» Invisible cities للروائي الإيطاليّ إيتالو كالفينو Italo Calvino يريد الإمبراطور المغوليّ قوبلاي خان أن يحصي مدائن إمبراطوريته الشاسعة المترامية الأطراف، وهو يراها مدنًا محّصنة لا تُقهر، في حين يراها الرحّالة الإيطاليّ ماركوبولو مدنًا من الصعب الإمساك بها؛ فهي مصنوعة من مادة غير مرئية لا تُرى. وعندما يسأل قوبلاي خان ماركوبولو عن أجمل المدن التي رآها يتوارى سرد المدن الأخرى ويحضر على لسانه سرد مدينته المائية المدهشة الجمال فينيس. لقد كانت فينيس من المدن الخمس والخمسين الأسطورية التي رواها ماركوبولو لقوبلاي خان إمبراطور مدائن الشرق القصية ولأنَّ ماركوبولو كان لا يريد فقدان سرد فينيس من ذاكرته صمّم على أن يحتفظ بسرودها شفاهية. ورواية «مدن لا مرئية» يغلب عليها الطابع الفانتازي حتى في تسميات المدن فهناك على سبيل المثال المدن المزدوجة وهي المدن التي تقع بين السماء والأرض وهناك «المدن الفاتنة» و«المدن الخادعة» و«المدن المستمرة» و«المدن المخفية» و«مدن الذاكرة» و«مدن الرغبة».

وكتاب «عجائب العالم» أو «وصف العالم» المنسوب إلى ماركوبولو ألف بعد وفاته بعقود من خلال جمع روايات ماركوبولو الشفاهيّة عن مدن العالم التي زارها التي تناسلت في ذاكرة مئات المسافرين الذين التقاهم في موانئ العالم المدهشة. وقد كتب هذا الكتاب روستيشيلو دا بيزا في القرن الثالث عشر الميلادي عندما جمع روايات ماركوبولو الشفاهية من أفواه من عاصره وخاصة رحلاته عبر آسيا وبلاد فارس والصين وإندونيسيا بين عام 1271 و1291م. ويعد كثير من الباحثين المختصين في تواريخ العصور الوسطى هذا الكتاب بمثابة أول عمل توثيقي جغرافي تاريخي حول مدائن الشرق الأقصى. وقد اشتمل على رغبة ماركوبولو في الانفتاح على «الآخر في الوقت الذي شهدت فيه القارة الأوروبية انكفاء على نفسها في الحقبة القروسطية». ورغم تشكيك بعض الباحثين في صحة سفر ماركوبولو إلى هذه المدائن جميعها، واعتقاد بعض من هؤلاء الباحثين أن وصفه لبعض المدائن القصية اعتمد فقط على السماع دون زيارة تلك المدائن، أقول بغض النظر عن مدى صحة هذا الأمر أو عدم صحته فإن كتاب «عجائب العالم» يحمل رؤية كونية لماركوبولو في الانفتاح الثقافي على الآخر. وتذكرتُ عندما قرأته دعوة مؤرخ القرون الوسطى المؤرخ الفرنسيّ جاك لاغوف إلى إعادة النظر مرة أخرى في الأوصاف الثقافيّة للقرون الوسطى، فهي كانت مقدمات تنويرية حقيقية لعصر الأنوار أو التنوير في أوروبا الذي انطلق تحديدا من فلورنسا بإيطاليا. ولا شكَّ أننا عندما نشتغل على تمثيلات الذات والآخر في نصوص الرحلات هذه نكون بالفعل قد استطعنا إيجاد خرائط ثقافية وأطالس كونية تاريخيّة ثقافية تساعدنا على استقراء الحاضر والمستقبل. فمثلاً عندما نقرأ رحلات ابن بطوطة الذي ماثلت رحلته رحلة ماركوبولو في الارتحال إلى مدائن الشرق سنعثر على مقاربات ثقافية في غاية العمق لمدونات رحالة متعاصرين زمنيًا، وهذا ما نحتاجه في التواصل بين الذات والآخر حضاريًا. أطمح في وجود مركز عالمي لأدب الرحلات يساعد على إجراء المقاربات ويستقطب أبرز الاسماء عالميًا، ويحفز على هذه الكتابة الملهمة المليئة بالشغف وهي أدب السفر والارتحال.

‭{‬ أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، 

كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news