العدد : ١٤٦٧١ - الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٧١ - الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٣٩هـ

الثقافي

قصة قصيرة:طبق الأصل

{ بقلم: مهدي عبدالله

السبت ٠٥ مايو ٢٠١٨ - 01:20

جئت إلى البحرين في عام 1991م وعملت في محل مجوهرات بالمنامة. حينها كان عمري لا يتخطّى عتبة الستة عشر عاما، ومنذ ذلك الحين لم أسافر إلى بلدي إلا مرتين فقط، الأولى كانت بعد ثلاث سنوات من مجيئي ولمدة ثمانية أيام فقط، والثانية في عام 1995م ولمدة 56 يوما، حيث تزوجت. وعقب سنتين جلبتُ زوجتي وطفلتي الصغيرة إلى هنا حيث مكثتا معي لبضع سنوات ثم عادتا إلى الوطن وبقيتُ أنا وحدي.

وبدأت المشاكل مع ربّ العمل حين اتهمني أحد أقربائه بأنني أستغل اسمه لجني المال عن طريق استحصال تأشيرات دخول لعدد من الأشخاص للقدوم إلى البحرين، وهذا ليس صحيحا. ومارس هذا الرجل الكيد ضدي وواصل مضايقتي والضغط عليّ وعلى إثر ذلك فقدت عملي.

فطفقتُ ألهثُ في الطرقات والأزقة بحثا عن الرزق. مسحتُ الشوارع مسحًا وطفتُ في أرجاء البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها حتى كلّت قدماي وجفّ ريقي. لم أفلح في العثور على عمل مناسب أو طعام جيد لأشهر طويلة فاضطررتُ إلى الاشتغال في بعض الدكاكين الصغيرة لكنني لم أكن أحصل على دخل لائق، كنت خلال ذلك أتسكع بين مساكن العزّاب المغتربين، متشردًا مطاردًا، إلى أن انتهيت بلا مأوى.

ثم اشتغلتُ بصفة مؤقتة في عدة أكشاك بالسوق المركزي واستمررت في هذه الأعمال التي لا تسمن ولا تغني إلى أن انتهيت عاطلا متعطلا. وظللت على هذه الحال حتى غدت ثيابي بالية وصارت لحيتي مُهلهلة وأصابني هزال عظيم. كنتُ في حاجة ماسّة إلى النقود ولم يحالفني الحظ في الحصول على أيّ عمل فانتابني اليأس وداخلني القنوط، فبدأت أشحذ من الناس على أبواب السوق رغم قساوة الأمر على نفسي.

كنتُ أفترش أرضية السوق في الليل وأهجع على الأسطح الاسمنتية وسط الفئران والحشرات، وأصحو في الصباح الباكر على عراك القطط وسكاكين القصّابين وروائح الأسماك والأطعمة المتعفنة، أقاوم الجوع معتمدا على الفواكه والخضراوات التي يتصدق بها أصحاب الأكشاك، متخفيا عن عيون كفيلي وسلطات الشرطة. بالطبع لم يتسنّ لي رؤية عائلتي أو محادثتها طوال هذه السنوات كما لم أتمكن من إرسال أيّ مبلغ لها منذ ذلك الحين. كم كان هذا الوضع مُهينا ومذلاً لكن الأكثر مذلة ومرارة هو الاستجداء من الآخرين مما جعلني بلا كرامة وغير ذي قيمة.

بقيت على هذا الوضع البائس حتى قبل أسبوع واحد حينما ضبطني رجل وأنا أمد يدي له طلبًا للنقود. تعرف على هويتي حيث تبيّن أنه أحد زملاء العمل السابقين فاستغرب أشد الاستغراب لما آل إليه حالي وسارع بأخذي إلى بيته وقدم لي بعض الطعام، فطلبتُ على الفور أن أتصل بزوجتي.

كانت هذه هي المرة الأولى التي أكلّمها منذ سبع سنوات، لم تتعرف على صوتي في البداية ثم أخذت تجهش باكية. كان الموقف عاطفيا جدا ومؤثرا ونحن نتجاذب المشاعر والأحاسيس الدفينة ونستمع إلى أنفاس بعضنا البعض ونبكي، سألتها عن ابنتي التي أصبحت الآن في الرابعة عشرة فطمأنتني عليها وأخبرتني أنها لا تزال بالمدرسة.

الآن صرت أحصل على الطعام والمسكن المؤقت ويحاول المتطوعون من أبناء جلدتي والمسؤولون بالسفارة إعادتي إلى وطني وزوجتي وابنتي، فيما يقوم أحد موظفي السفارة بمتابعة القضية مع كفيلي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news