العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (23)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٤ مايو ٢٠١٨ - 10:06

المرحلة المصرية (3)

بقلم: د. غريب جمعة

لم تكن هجرة الشيخ إلى مصر بحثاً عن الراحة والدعة ولا طلباً لرغد العيش والسعة، وإنما كانت انتقالاً من ميدان ضيق إلى ميدان أوسع وأرحب يستطيع أن يواصل فيه جهاده، حيث كان يردد في أكثر الأحيان شعاره الذي اتخذه لنفسه في مسيرة حياته المباركة وهو:

ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن واد أعيش به وحدي

لقد ضرب الشيخ بسهم وافر في ميادين متعددة جهاداً بقلمه ولسانه مع سعي حثيث وجهد مبذول وعمل موصول سنين دأباً لا يعرف الكلل ولا الملل، فخاض معارك ضارية في ميدان العلم والفكر والأدب واللغة، سلاحه عفة الكلمة وقوة الحجة وسلامة الصدر وشرف الهدف ونبل المقصد والغاية.

كما بذل جهوداً مشكورة مأجورة –إن شاء الله- في ميادين العمل والإصلاح الاجتماعي والصحافة والسياسة. وقد رأينا أن نرتبها لك على قدر ما تحت أيدينا من المراجع كما يلي –وبالله التوفيق.

معاركه العلمية والفكرية.

معاركه الأدبية واللغوية.

نشاطه في ميدان العمل والإصلاح الاجتماعي.

جهاده في الميدان الصحفي والثقافي.

جهاده في الميدان السياسي.

وقد رأينا أن نتحدث عن جهاد الشيخ وجهوده في كل ميدان على حدة وعلى قدر ما يمنح الله تبارك وتعالى من الطاقة والوسع والتوفيق وفاء له وأداء لشيء من حقه على من يأتي بعده وهو الصابر المحتسب الذي جعل الآخرة أكبر همه فلم يتشوف لزهرة الدنيا ولم يستشرف لعزة المنصب فبوأه الله أعلى المناصب.

معاركه العلمية والفكرية:

إن المعركة التي تقف على رأس تلك المعارك هي:

معركته «مع كتاب الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبدالرازق.

يقول الإمام عنه: «رأيته مشى في غير طريق وفرغ إلى غير تحقيق فأخذت أبين غلطاته وأوجه انحرافه عن قصد السبيل، ولما انتهيت من هذا النقد سميته: «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم», كما ذكرنا آنفاً وقد وعدناك بشيء من التفصيل حول هذا الكتاب الذي كنا نظن أنه مات وشبع موتاً، ولكننا رأينا من يلبس أكفان الموتى ويخرج في زينتها على الناس ليمتدح الكتاب وليعد صاحبه من قادة التنوير!! في مصر ولسنا ندري أي تنوير يقصدون؟

وقبل أن ندخل في تفصيل الحديث عن هذا الكتاب من خلال «نقض» الإمام محمد الخضر له لا بد من طرح سؤال ومحاولة الإجابة عنه ; هذا السؤال هو:

هل صحيح أن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» ليس من تأليف الشيخ علي عبدالرازق وإنما هو من تأليف الدكتور طه حسين؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن ننقل إليك نص ما قاله مؤرخ الأزهر وعضو الجمعية التاريخية العربية الإسلامية الأستاذ الدكتور مجاهد توفيق الجندي في محاضرته التي ألقاها في ملتقى الإمام محمد الخضر حسين الذي أقامته الجمعية الخلدونية للأبحاث والدراسات التاريخية أيام 25، 26، 27 من ديسمبر سنة 2007م في مدينة «بِسَكْرة» بالجزائر.

وقد ألقاها أيضاً في الندوة العلمية العالمية الأولى «للإمام محمد الخضر حسين وإصلاح المجتمع الإسلامي» التي أقامتها الجمعية التونسية للدراسات والبحوث حول التراث الفكري التونسي أيام 16، 17، 18 من يناير سنة 2009م في مدينة «نفطة»، حيث ولد الإمام والتي يطلق عليها الكوفة الصغرى.

لقد قال الرجل بعد مقدمة تفيض إجلالاً وتقديراً للإمام:

«في الحقيقة .. ان الشيخ علي عبدالرازق –رحمه الله- وهو من بيت علم قديم في قرية أبو جرج التابعة لمحافظة المنيا بصعيد مصر، وهذا الرجل قد وهبه أبوه مع ثلاثة من إخوته للأزهر الشريف، وهو من بيت أثرياء، بيتهم مفتوح لعابري السبيل ولا يذهب أي قاصد لصدقة أو لطَلِبة فيرجع خائباً.

في حديث لي مع المرحوم الشيخ أحمد إدريس وكيل لجنة الفتوى بالأزهر عندما قلت له: عندنا ندوة غداً، أو بعد غد في المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور سبعين سنة على كتاب «في الشعر الجاهلي» وتحدثنا بشأن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قال: 

يا بني! هذا الكتاب ليس للشيخ علي عبدالرازق ولكنه لطه حسين أضافه إليه ليأخذ به الشهرة!!

وكان بينه وبين طه حسين علاقة ما من النسب أو القرابة فخجل الرجل، وكان رجلاً طيباً جداً، لم يشأ أن يحرج طه حسين، رغم أن هيئة كبار العلماء اجتمعت ومحت اسمه من سجلات الأزهر وأخرجته من زمرتها.

قلت للشيخ أحمد ادريس: ما الذي عرَّفك؟ قال: كنت واعظاً لهذا المركز –مركز بني مزار- وبني مزار بلدة بها العديد من الصحابة، صحابة رسول الله الذين استشهدوا بالمعارك وهم الذين صاحبوا عمرو بن العاص في الفتوحات الإسلامية.

وبلدة أبو جرج هذه هي بلدة علي عبدالرازق، وآل عبدالرازق بيت كريم، وقد ذهب الشيخ أحمد ادريس إلى هذا البيت وكان واعظاً للمركز –كما عرفت- ذهب ليتغدى هناك وليبيت أيضاً.

وعندما انتصف الليل وأراد الرجل أن يذهب إلى الحمام وجد الشيخ علي عبدالرازق يبكي، والدموع تبلل لحيته في جوف الليل وهو يصلي في جوف الليل –والناس نيام. قال له: يا مولانا!! ولماذا كتبت هذا الكتاب؟

قال: يا بني! هذا الكتاب –والله- ليس لي ولكنه لطه حسين أضافه إليًّ لشيء من القرابة أو شيء من المصاهرة لآخذ شهرة به وهذا الكتاب ليس لي.

قال –أي الشيخ أحمد ادريس- لماذا لم تتبرأ من هذا الكتاب؟ قال: ما أردت أن أحرج طه حسين، وتحمل الرجل ما حدث له. هذا ما أؤكد عليه بخصوص كتاب الإسلام وأصول الحكم».

وفي ندوة طه حسين في المجلس الأعلى للثقافة قمت بمداخلة –أي الدكتور مجاهد- وقلت هذا الكلام فغضب عليَّ الدكتور جابر عصفور، وهو من العلمانيين المعروفين في مصر. ولكن هو لا يعرف الحقائق وعندما قلت هذا الكلام، قام وثار وغضب وقال: هذا الكلام غير صحيح، لأنه لو كان صحيحاً لوقف في وجه هيئة كبار العلماء الذين أخرجوه من زمرتهم. فقلت: اذهبوا إلى الشيخ أحمد ادريس، والصحفيون تجمعوا حولي، لأن هذا الكلام جديد بعد مرور أكثر من سبعين عاماً على هذا الكتاب، وذهبوا إلى الشيخ أحمد ادريس وأكد لهم ما قلته ونشر ذلك في الصحف».

هذا بخصوص «الإسلام وأصول الحكم» وقد عارضه مولانا وشيخنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، عارض هذا الكتاب، فأعجب به الملك فؤاد، لأنه كان يريد أن يكون خليفة للمسلمين.

كتاب «الإسلام وأصول الحكم» يقول فيه طه حسين –لأنه ليس لعلي عبدالرازق- يقول: إن الحكومات الحديثة لا تحتاج إلى الخلافة، والخلافة ليست ضرورية، وليست من الدين، هذا كلام طه حسين وهو كلام المستشرقين، ويمضي الدكتور مجاهد قائلاً:

وطه حسين –بالطبع- حاقد على الأزهر الشريف، رغم أنه أكل من خيرات الأزهر، ولحم أكتافه من خيرات الأزهر، وجلس في زاوية العميان يحترمونه ويأكل ويشرب ويكتسي على نفقة الأزهر الشريف، حيث كان فقيراً.

الأزهر الشريف خيره على أشداق الذين درسوا فيه ورغم هذا يشتمون الأزهر ويلعنون المشايخ.

لقد قال له طه حسين يشتم اللجنة التي ناقشته في العالمية في قصيدة طويلة يشتم فيها المشايخ:

جلسة في الضحى ... بين العمائم واللِّحى

وثار عليه المشايخ ولم ينجح في الحصول على العالمية فغضب على الأزهر واتجه إلى المستشرقين أرباب النعمة عليه، وقيل إنهم أعطوه الدكتوراه في جلسة شاي. هكذا يقولون.

ثم يقول الدكتور مجاهد: وقد أثار هذا الكتاب ضجة في أوساط علماء الدين وداخل الأزهر، سواء من مؤلفه الذي هو من رجال الإسلام ومتخرج في الأزهر ويعمل قاضياً شرعياً ولا يمكن لمثله أن يصدر عنه كتاب من هذا النوع، أو بالنسبة الى محتواه المخالف لما يعتقده العلماء والمشايخ وقد تصدى له الشيخ محمد الخضر حسين بكتاب «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» وقد مربك أن هيئة كبار العلماء طردت الشيخ علي عبدالرازق من بين صفوفها ومحت اسمه من سجلات الأزهر، كما حوكم الكتاب وصودر وجمع من الأسواق» أ هـ.

هذا هو ما ذكره الأستاذ الدكتور مجاهد الجندي حول مؤلف كتاب «الإسلام وأصول الحكم» ويبقى الحكم لك –على مؤلف ذلك الكتاب- أخي القارئ.

(وإلى حلقة أخرى إن شاء الله) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news