العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الثقافي

المجموعة الشعرية «امرأة في ضيـافـة القلب» للشاعر الستراوي:

السبت ٢٨ أبريل ٢٠١٨ - 10:13

قراءة مغايرة للذات بنكهة الحزن!

«أمي..

كلما كبر العمر 

رجعتُ إليكِ صغيرًا»...

هكذا يبحر الشاعر البحريني علي الستراوي في حنايا الروح، يلتقط أصغر التفاصيل من شتات الحياة ليصوغ بيته الشعري، يجتهد في تأثيث معناه الدلالي عارفًا بخارطة الشعر الحديث، مرجعيته الثقافية غنية الحضور والتعدد، يرتكز على استيعاب مختلف المدارس الشعرية ويخوض بحارها، ما هو بالمغامر الذي يزج بتجربته الشعرية خلف التجريب العابث التائه في ما وراء المعنى الملتبس. بل يوجه شراعه نحو مسارات ثقافية خبرها في ممارسته الحياتية، ينثرها أبياتًا تستنطق الحب والوجع، الأصحاب، الأنثى / الأم الراقدة في ذاكرة الصبا وهي تسبّح ربها على سجادة صلاة الصبح.

تكاثرت ألوان الحلم أمامي هكذا وأنا أتصفح هذا الإصدار (للستراوي) -«امرأة في ضيافة القلب» والصادر على شكل كتاب الجيب من مجلة الرافد الإماراتية في عددها 068 ابريل 2014م. مرات كثيرة يدهشني هذا الشاعر بتلك التفاصيل الصغيرة التي يلتقطها إحساسه الشعري موظفًا إياها في بنية القصيدة، فيسبغ عليها إيقاعًا صوفيا رومانسيا وحتى تتداخل عليك متعة الاتصال البصري، تشاهد القصيدة تتخلق نبضات أنفاسها حكاية يخيل إليك سمعتها وقريبٌ من دفء حضورها الجميل.

«حينما تختبئين في الذاكرة» (ص 9 )

هل تعرفين...

أننا في الريح نداري فضولنا 

نرقص حيث ترقص الفراشات في الفضاء

ونستريح على حافة النهر..

كاليعاسيب يحملها الشوق للماء

وكالطيور على أفنان أغصانها...

تغنِّي الربيع؟

آهٍ.. أيتها الشاردة بحلمي 

أيتها الفضول الذي يجدد الحياة في دمائي

هل تعرفين قريتي النائمة في الحنين..

المشتغلة بوجع النخيل؟

حينما انحدرت واقفة في اليباس 

في جزئية من هذا النص الجميل تتلون المفردة الشعرية عند شاعرنا «الستراوي» منطلقة نحو فضاءات غربة الذات + الحبيبة + القرية بما تحوي من حنين مترسب في الذاكرة لا شفاء من توهجه في النفس وما يخلق من تفاعلات يغلب عليها الحزن الذي يفلت من الداخل ليخبرنا حكاية القلب، قلب الشاعر الموجوع.

كما أننا لا نغفل هنا (ثيمة الحلم) ضمن معمار القصيدة، الحلم يتداخل مع هذا الأمس الراحل في (لا وعي) الشاعر، يوجد تماسا مباشرًا مع ضبابية الواقع وحالة اليباس، يباس معنوي يتجسد في النخلة التي تموت لكن الصورة ليست سوداوية إلى هذه الدرجة، «الستراوي» يحسن التلاعب بمشاعر «المتلقي» فيبث الأمل في روحه من جديد ولو بعد حين.

إن مفردة «الماء» ضمن سياق القصيدة تفسر عطش الروح التي ربما تهرول نحو ماضيها محاولة استعادة الأيام الخوالي، هنا الصورة تنمو في اتجاه واحد يمضي نحو أول حبيبة تطرق أبوابنا، تبقى الذاكرة ملتصقة ومتمسكة بطيفها الذي لا يغادرنا، كما تفيد الصورة بمعنى آخر يتشظى من عمق النص، إن (الماء) في صيرورته الرمزية بمثابة ولادة من خاصرة الحلم / أنثى قد أختارت مكانها في القلب وتركت وشم حبها حيث لا شفاء منه. التباس في الحالة يقابلة المغزى ضمن إطار النص يعطينا أكثر من مجرد تفسير عابر، حيث تتضح معالم تجربة شاعرنا، لا يراهن على النص الشعري السريع والمعلب، إنما يرتحل في مساحات من البياض عارفا خارطة الدرب في تجربته الشعرية.

«عتبات الــضوء» (ص 13 )

كنت على شرفة الكلمات...

أسامر اللغـة 

وأعقد علاقاتي العاطفية مع الفراشات الملونة 

وثمة ضوءٌ اغتالني..

فكنت أنت أول شرارة العافية!

لك الحق في إشعال الحنين بداخلي 

فهل سأستطيع أن أتوارى عن أبيض الخجل 

وهل أنت عارفةٌ بـذلك..

أشك فيما أشك..؟ 

لكنها صحوة المحب..

واحتضار الروح قبل النبض! 

في هذا المقطع نعود ثانية إلى حيث لهجة الحنين المشتعلة بالحب، تختصر الزمن في قلب الشاعر، تواكب نبض عطشٍ آخر لا يقاسيه سوى من يتورط بين رقص الفراشات كأحلى ما تكون الورطـة في بعدها العاطفي، فكلنا لا مناص لنا من هذا الرقص حينما نخاصر فتاة الحلم ثم نحلق لسماوات قصية نرسم في أزرقها أمانينا التي نشتهي. 

مرة أخرى تخبرك لغة «الستراوي» في طريقة تصاعدها عن فوضى ضاهرية للحواس (شك / نبض / خجل / حنين) لكننا حينما نركز في البعد الدلالي نتوصل إلى حل الأحجية الماثلة أمامنا، أيما رجل يبحث عن أسطورة حبه ويجتهد في هذه الرحلة لا بد له من التعب والشك وشيء من الخجل قبل أن يقرر صلاحية الأرض التي سوف تستقبل بذور حبه.. هنا تمتطي كلمات «لستراوي» مدلولاتها الإنسانية في حضور بهي تمارس الهمس أو التلميح -لا- التصريح، لكون لغة الشعر رهيفة الإحساس وقد يقتلها رفع الصوت المنبري المباشر، إضافة إلى ما سبق، تذهب المفردة في صيرورتها عند شاعرنا صوب شكلٍ من أشكال التكثيف، كنوع من شفافية الرؤية في تجليها الإبداعي، تأتي عن سابق خبرة لمن غاص في بحر الشعر وعرف مكامن اللؤلؤ في القاع.

الستراوي في لغته يختار تلك الكلمات متعددة الإيقاعات، (صلاة، جمر، ذاكرة، حنين، ضوء، لوعة) مرة أخرى فإن إيقاعية المفردة من حيث جمالها يحمل المتلقي على ترجمة جمالٍ آخر ممتزج مع نص حكائي تنجح في إيصاله كل قصيدة، وكأننا أمام ألبوم غنائي متنوع الألحان والنكهات. تنوع جميل وآسر لشاعر خبر قوة المفردة وهضم سحرها فعرف كيف يفتض بكارتها! قصائد المجموعة التي بين يدي (امرأة في ضيافة القلب) تتقلب بين شطآن الأنثى في توجه «الستراوي» وكيف يرى المرأة؟ تارة يراها مراهقة تقف في بواكير ذاكرته على عتبات الحلم المستحيل، ثم به يراها ثانية شابة أنيقة وجميلة كانت تعبر مساحة عطشه ذات يوم أو.. يراها جارة طيبة لا تغادر ذاكرته، عله يرثيها في حرارة كلماته كي يكفَّر عن ذنب نسيانها، تارة أخرى ير هذه الأنثى.. أم مكدودة طوال النهار، تفرش سجادة صلاتها وتذوب في حب الله.

عدة تمثلات ها هنا يمارس «الستراوي» لغته الشعرية متماهيا ضمن فضاءاتها وقد أثــث حضورها النفسي لتكون بمثابة جسـرٍ تعبر عليه أحاسيسه المتأججة وما يعتمل في قلبه من حنين للأيام الخوالي، فيتحول الخطاب الشعري لدى شاعرنا ليكون سجلا أو ما يقترب من الحالة السيرذاتية، ترك لها مشيئة الركض والانطلاق كي تحكي ما تختنق به من فيضان البوح، يهدينا تلك الغواية التي نشتهي طعمها من بعد نهاية كل نص.

أيما تجربة شعرية معاصرة لا تتعامل بهذه الشفافية والحرارة والوداعة مع المفردة لا يمكن أن تجعل من القصيدة كائن حي يتنفس، يمارس الرقص بتغنج تارة ويفسح المجال تارة أخرى لطيران حر، هي هكذا على ما يبدو روح الكلمات وكيف تتخلق في مشيمتها الأولى قبل أن تولد على صفحات «الستراوي» حيث تقدم ذاتها كلمعان النجوم التي تسامر ليل المحبين.

ما دمنا في ذات السياق عن اللغة التي يشتغل عليها شاعرنا.. فمن المفيد هنا قراءة تلك اللهجة المتوارية بحزنها في عباءة النص، فالعديد من النصوص الورادة بالمجموعة تشتبك فنيا في متواليات متصلة «بحالة الحزن» كخيط يربط أغلب القصائد، كأني بهذا الشأن أقف مع الشاعر بضع ليحظات أفتش من خلالها حقيبة وجعـه المعنوي كي أتعرف على مختلف محطات عمره التي مر عليها ولا تزال تكويه بنار الصبر والخذلان والشوق لأكوان أخرى لا تعرف الشقاء.

«لوعة في الضلوع - ذاكرة من عبير الوطن - إدراك - البلاد التي حملتنا - صهوة دونها الركب - آخر دقيقة من عام 2007 - اسكب قهوتك محمود - «قصائد مترعة بالجمال وغيرها تبحر في سماء الوطن وتستنطق الشوق للأصدقاء باحثة عن مطر العشاق وهي تتزين بمساءات الصيف اللطيفة حينما ترقص أمامنا (أنثى) الستراوي لا تتوارى بخجلها الشرقي، بل نراها وهي تتمايل في حضرة

 الكلمات، تشعل شموعها عند شرفات الظمأ أو تتفقد زينتها عند مرايانا وهي تعبث بقلم الروج، ترسم قلوبا حمراء لا تبهت في سطوة الوقت كما جمالية القصائد التي يبدعها الشاعر البحريني علي الستراوي، منشغلا بتزيين خطابه الشعري وفق كدح متواصل يحفر في اللغة كيما يبحث عن قراءة مغايرة للذات وكيف ترى العالم والوجود، ما يجعلنا هنا على يقين من أن تجربة كهذه، صهرتها مرارة الحياة ومكابدة الفقـد، وحرقة الحنين، ولحظات الفرح المسروقة، وصحوة التعاويذ وأضواء الأحلام الصغيرة، بلا شك لهي قادرة على إدهاشنا من جديد، وخصوصا أن الشاعر تتراكم في دُرجه مخطوطات لدواوين شعرية أخرى لا تزال طي الكتمان، محتفظـة بسر رائحتها تنتـظر النور.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news