العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

بصمات نسائية

تخرجت من مدرسة الحب والعطاء بامتياز مع مرتبة الشرف

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١٨ أبريل ٢٠١٨ - 10:59

تجرعت منذ نعومة أظفارها أجمل معاني الإنسانية، فتأصلت بداخلها اسمى صور العطاء، وأروع قيم التفاني، ففاضت نفسها حبا ورعاية لمن حولها، لتضرب مثلا غير مسبوق في المودة والتراحم، حتى لقبوها بوزيرة الفقراء، وبأم الخير. 

فاطمة بوعلي صاحبة فكرة إنشاء دار المنار لرعاية كبار السن، والذي حققت من خلاله طموحها الذي ظل يراودها سنوات طوال ظنت خلالها أنه ضرب من المستحيل، إلا أنها وبدعم القيادة الرشيدة ممثلة في عاهل البلاد المفدى وسمو أميرة البحرين، وبتعاون الكثير من أصحاب الأيادي البيضاء من أهل الخير، استطاعت أن تحقق حلمها على أرض الواقع، لتصبح تلك الدار بمثابة مدرسة للحب والعطاء، تحتضن العديد من الآباء والأمهات في سن الشيخوخة، كجزء بسيط من الوفاء ورد بعض الجميل لهم.

وبقدر سعادة الرحلة ومتعتها، إلا أنها لم تكن تخلو من بعض الألم والمعاناة، فهكذا هي الحياة دوما، مزيج من الحلو والمر، من الفرح والحزن، وتبقى العبرة في النهاية في قوة الإرادة والصمود في وجه العثرات.

«أخبار الخليج» توقفت عند تفاصيل تلك التجربة الثرية، التي جسدت مثلا يحتذى به في عالم الإنسانية وذلك عبر السطور التالية:

حدثينا عن طفولتك؟

طفولتي كانت جميلة وسعيدة، وقد كنت محبة بشدة للناس، وأحرص على تقديم أي مساعدة خاصة لكبار السن من أهل الحي الذي اقطنه، فكثيرا ما كنت أقوم بشراء أغراضهم وأصطحبهم للمستشفى وغيرها من الأمور، إلى أن بدأت مشواري مع الهلال الأحمر حين بلغت خمسة عشر عاما، وهنا بدأت رحلة العطاء وتولدت أحلام الإنسانية.

وما الحلم الأهم؟

لقد كان مشروع إنشاء دار لرعاية كبار السن من أهم أحلامي وظل يراودني سنوات طوال إلى أن تحقق على أرض الواقع، وكان يقدم خدماته لكثير من الآباء والأمهات ويربطهم بأبنائهم بل بالحياة بشكل عام، بهدف الوفاء لهم ورد الجميل لهم.

ومتى تولد بداخلك تحديدا؟

بعد أن خطت قدمي خارج المقبرة التي أودعت جسد أمي ثراها، فكرت أن أكرس جهدي لخدمة أي مسن بحاجة إلى المساعدة، وخاصة أنني مررت مع والديّ بتجربة إنسانية أحدثت تحولا كبيرا في حياتي.

وما هي التجربة؟

لقد تفرغت لرعاية والديّ المسنين المقعدين على مدى أكثر من عشرين عاما من عمري، حيث تركت عملي في البنك، ودرست التمريض ثلاثة أشهر كي أطببهما وكنت لهما ابنة وممرضة وخادمة وصديقة، وهو أمر نادر الحدوث هذه الأيام، وكم أنا فخورة وسعيدة بأنني عشت للمسنين، وأنني أنظر إلى أي امرأة مسنة على أنها والدتي، ولأي مسن على أنه أبي. 

هل ضاعت الإنسانية؟

نعم، فنحن نعيش اليوم عصرا ضاعت فيه الإنسانية بسبب طغيان المادة وانشغالات الحياة، وهناك قصص تدمي القلوب من جحود الأبناء للآباء، الذين هم في حاجة إلى من يعينهم ويرعاهم في مثل هذه الأيام الحرجة والعصيبة التي يمرون بها.

وكيف كانت حالتهما الصحية؟

أمي أصيبت بالشلل، وأبي كان مقعدا، وكانا يحتاجان إلى عناية مكثفة من تغذية وعلاج ونظافة وكل المتطلبات الأخرى، وكنت لا أضع رأسي على وسادتي إلا بعد إتمام رسالتي اليومية معهما، وسماع دعواتهما لي. 

كيف تحقق الحلم؟

بفضل دعم القيادة الرشيدة وبتعاون الكثير من الجهات وأهل الخير تحقق حلمي، ولن أنسى موقف جلالة الملك الذي قدم لنا دعما غير محدود ومنح المقر للمشروع، وكذلك المساعدات الكريمة من لدن سمو أميرة البحرين الرئيسة الفخرية للدار، إلى جانب المساندة الكبيرة من سمو الأمير سلمان بن حمد، وبفضل كل هذه الجهود والحماس الشديد تحول المشروع مع الوقت إلى مدرسة تضم العديد من كبار السن، تستغل طاقاتهم وترعاهم وتعينهم على حياة مستقرة وآمنة، الأمر الذي أشعرني بأن هرم أحلامي تحقق، ثم واصلت أداء رسالتي. 

ما هي رسالتك؟

رسالتي هي محاولة إحياء قيمنا الإنسانية الرفيعة، والعودة إلى مجتمع الأسرة الواحدة، وأن نستعيد مشاعر المودة والمحبة والتراحم، فالعقوق من عواقب الدنيا والآخرة، وكما تدين تدان، ومن يهتم ويرعى أبويه في الكبر سوف يلقى نفس المعاملة من أبنائه، والعكس صحيح. 

هل واجهتك صعوبات عند قيامك بهذا الدور؟

لقد درست علم النفس في بيروت، كما أن خبرتي مع الهلال الأحمر ساعدتني كثيرا في تأدية دوري، إلى جانب تجربتي مع والديّ، كل هذه العوامل بلورت لدي خبرة كافية للتعامل مع كبار السن، وتفهم احتياجاتهم وتلبيتها بقدر الإمكان، كما أسهمت في ابتكار أساليب مختلفة للعلاج كفكرة العلاج بالعمل، وهذا ما كنت أطبقه مع والدي فترة مرضه، والذي تحول مع الوقت إلى مدرسة تعلمت فيها الحياة.

كيف؟

منذ أن كنت في المرحلة الإعدادية كان أبي يصطحبني إلى المكتبة لشراء الكتب المختلفة والمتنوعة، وذلك رغم أنه لم يتعلم، وكنت أقرأ له مضامينها ويستمتع كثيرا بذلك، ومع الوقت أصبحت نهمة بشدة للمعرفة والقراءة، الأمر الذي أفادني كثيرا خلال مسيرتي، حتى أنني ألفت ثلاثة كتيبات عن الدار.

ما العلاج النفسي الشافي للمسن؟

الحب هو أهم علاج نفسي شافٍ لكثير من الأمراض، بدليل أن أبي أصيب بسبعة عشر جلطة، إلا أنه صارع المرض سبع سنوات كان خلالها يساعدني في تربية أبنائي رغم مرضه، وأعتقد أن سبب صموده هو طاقة الحب التي كنت أمنحها له والتي لم تتوقف أبدا، فكانت بمثابة الدواء له، وأنا فخورة بأنني تخرجت من مدرسة الحب بامتياز مع مرتبة الشرف.

وماذا عن العلاج بالعمل؟

نتيجة العلاج بالعمل مبهرة أيضا، فكبار السن لديهم طاقات وإمكانيات بحاجة إلى اكتشافها واستغلالها للاستفادة منها، وهم يسعدون كثيرا بالعطاء والإنجاز وتحفيزهم على ذلك وتهيئة المناخ اللازم لذلك.

ما أصعب مرحلة؟

لقد تعرضت لمواقف صعبة كثيرة بل مؤلمة، ولكني والحمد لله صمدت وواصلت ولم أنكسر، وأصف نفسي دائما بأنني جبل وذلك من كثرة ما واجهت خلال مشواري الطويل، ولكني والحمد لله أصبحت بفضلها أقوى من السابق وهذا هو الدرس الذي تعلمته من والدتي التي كانت معلمة قرآن كما تعلمت منها معنى الإنسانية الحقيقي، فكثيرا ما كانت تقول لي إن الصغار أمامهم الحياة ممتدة، أما المسنين فهم بحاجة إلى من يمد يده إليهم. 

ما الأنشطة التي تمارسينها حاليا؟

نشاطي الخيري والتطوعي متواصل ولم ولن ينقطع طالما حييت، وأنجزه حاليا بجهود فردية وذاتية، كما أنني أسعى للبدء من جديد في مشروع يعتمد على فكرة العلاج بالعمل. 

ماذا علمتك تجربتك؟

علمتني الحياة أنه بقدر ما تعطيها تعطيك، مهما واجهت من صعوبات وعثرات، وأن أواصل مشواري من دون الالتفات إلى الوراء، وأتمنى أن أظل عاملا مساعدا في الأخذ بأيادي المسنين، ومساعدتهم على إشباع هواياتهم واحتياجاتهم بدلا من الجلوس في البيت أو على المقاهي، وهم يستحقون دعمنا في تلك المرحلة العمرية الحرجة.

ماذا منحتك الحياة.. وماذا أخذت منك؟

لقد منحتني الدنيا خيرا في أبنائي وأسرتي واستطعت أن أحقق لهم طموحهم، ولم تأخذ مني شيئا، حتى فترات الألم عبرتها بسلام وبحب الناس ودعائهم.

كيف ترين الجيل الجديد؟

للأسف، الجيل الجديد غالبيته مدلل ومعظم طلباته مجابة بشكل كبير، وأنا هنا أدعو الآباء والأمهات إلى احتضان أبنائهم وفتح صدورهم لهم، وذلك لإزالة الفجوة الموجودة اليوم بين الطرفين، والتي تشكل خطرا على مستقبلهم بل وعلى حاضرهم أيضا.

من أكثر داعم لك؟

زوجي كان ولا يزال أكبر داعم لي بعد الله سبحانه وتعالى، فقد ساندني كثيرا ووقف بجانبي في كل المواقف سواء السارة أو الحزينة، كما يساعدني أيضا في الكثير من الأعمال الخيرية والتطوعية لأنه يتمتع بنفس الروح والرغبة في العطاء، ولن أنسى وقفته بجانبي وقت الشدائد والأزمات.

وعن حصاد السنين؟

حصاد أي إنجاز أقوم به هو أن أرى الابتسامة على وجه من حولي ممن تمكنت من مساعدتهم، فهذه هي السعادة الحقيقية، ويكفيني دعوات هؤلاء الذين استطعت إسعادهم ولو للحظات، وكم أصبح في قمة الارتياح حين أتلمس نتيجة عطائي للآخرين، وهذا ما يحدث مثلا عند محاولتي التقريب بين الآباء وأبنائهم وتوطيد أو إصلاح العلاقة بينهما.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news