العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

غزة تبدأ «مسيرة العودة»

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١٧ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

لن نبالغ إن قلنا إن الأوضاع في قطاع غزة مشحونة باليأس والأسى. فقد ظل اليأس ينهش، على مدى عقود، هذا القطاع الفقير الواقع على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. 

قمت بزيارة قطاع غزة عدة مرات خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، بصفتي أشارك في رئاسة مجموعة بناة السلام، وهو المشروع الذي كان قد أطلقه آنذاك نائب الرئيس الأمريكي آل جور من أجل المساعدة على تنمية الاقتصاد الفلسطيني. لم أكن أنا وبقية الزملاء الذين رافقوني إلى قطاع غزة مستعدين لمشاهدة تلك الأوضاع المزرية التي وجدناها هناك. تولى وزير التجارة الأمريكي آنذاك رون براون قيادة أحد تلك الوفود وقد قال متحدثا عما رآه هناك «إن الوضع هنا أسوأ من سويتو» -في إشارة إلى الأوضاع التي كانت عليها مدينة سويتو التي يقطنها السود إبان فترة الحكم العنصري في جنوب إفريقيا. 

خلال ربع قرن من الاحتلال الإسرائيلي، ظلت إسرائيل تنتهج ما اسمته سارة روي «سياسة تقويض التنمية في قطاع غزة». لم تكن هناك أي استثمارات في البنى التحتية فيما تحول سكان القطاع إلى مجرد مصدر للعمال الذين يشتغلون بأجر بخس، سواء في إسرائيل نفسها، أو لدى مقاولي الباطن الذين يعملون بأجر زهيد لحساب المصدرين الإسرائيليين. استشرى الفقر في كل قطاع غزة وازداد عدد السكان، ناهيك عن أن غزة تعتبر من أكثر الأماكن في العالم كثافة ديمغرافية. 

تظهر الأرقام الاحصائية أن زهاء 70% من سكان قطاع غزة هم من اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين وقد حصلوا على التعليم وبعض الخدمات الطبية والاجتماعية بفضل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين -الأونروا- وماعدا ذلك فإن سكان غزة لم يحصلوا على أي شيء. 

في مخيم جباليا رأينا أطفالا صغارا يمشون في برك من الماء الآسن في وسط الطريق الترابي. وبما أن السماء لم تمطر لعدة أيام فقد سألنا عن مصدر ذلك الماء فقيل لنا إنه يأتي من حفرة للصرف الصحي. لا يوجد هناك أي شبكة للصرف الصحي لأن الطريق في المخيم غير معبدة. كانت تلك صدمتنا الكبرى! 

استولى الإسرائيليون على أفضل الأراضي الزراعية وأكثرها خصوبة في قطاع غزة. ظل الفلسطينيون يخدمون في بقية الأراضي التابعة لقطاع غزة غير أنهم يجدون صعوبة كبيرة في تصدير منتجاتهم ما لم يتعاملوا مع وسطاء إسرائيليين وهو ما يقلص من نسبة الأموال التي يحصلون عليها. لقد سمعنا نفس الشكاوى من صغار الصناعيين. 

اصطحب وفود مجموعة بناة السلام في زياراتها تلك بعض رجال الأعمال الأمريكيين الذين أبدوا اهتمامهم بالاستثمار وبناء شراكات مع رجال الأعمال الفلسطينيين غير أنهم عزفوا عن الأمر عندما علموا بعد ذلك أنهم سيواجهون قيودا تحد من قدرتهم على استيراد المواد الخام وتصدير البضائع المصنعة في قطاع غزة. 

زرنا المناطق الحدودية ووقفنا هناك على الصعاب التي يواجهها عشرات آلاف السكان الغزاويين الذي يعملون كأُجَراء يوميين في إسرائيل. وبما أن القوانين الإسرائيلية كانت تمنعهم من قضاء الليل في إسرائيل فإنهم كانوا يضطرون إلى مبارحة بيوتهم في غزة قبل الفجر من أجل الوصول إلى الحدود قبل الساعة السادسة صباحا على أمل أن يجدوا فرصة للعمل في يومهم ذلك في قطاعات البناء أو الزراعة أو كحراس للمباني.

أما من حالفهم الحظ فإنهم يركبون الشاحنات التي تنقلهم إلى أماكن عملهم المحددة قبل أن يعودوا في نهاية يومهم منهكين إلى نفس النقطة الحدودية ليصلوا بعد ذلك إلى منازلهم في غزة في وقت متأخر من الليل فينامون ليعيدوا نفس السيناريو في اليوم التالي. 

في سنة 1996 تشرفت بالعمل مع الفريق المنبثق عن مركز كارتر والذي تولى الإشراف على أول انتخابات فلسطينية. وقف الفلسطينيون في طوابير طويلة وكانوا متحمسين جدا للمشاركة في تلك الانتخابات. لقد وثقت عدة مشاهد مؤثرة عن أولئك الرجال والنساء الذين أمضوا ساعات طويلة وهم ينتظرون دورهم كي يدلوا بأصواتهم في أول انتخابات كانوا يرون فيها أول لبنة حقيقية على طريق الاستقلال الوطني. 

كانت آخر زيارة لي لقطاع غزة في ظل إدارة الرئيس بيل كلينتون. فقد رافقت الرئيس بيل كلينتون الذي ألقى خطابا في المجلس التشريعي الفلسطيني كما دشن مطار غزة الجديد. 

 كان هناك شعور من الأمل رغم ما يشعر به الفلسطينيون (والولايات المتحدة الأمريكية) من إحباط بسبب إعلان حكومة نتنياهو آنذاك عزمها على تقويض مسار أوسلو. كانت تلك أيضا «أعواما جيدة» في قطاع غزة رغم صعوبة الظروف المأساوية في القطاع.

ازدادت الأوضاع سوءا بسبب السياسات المتشددة التي كانت تنتهجها حكومة الليكود الإسرائيلية وما رافق ذلك من عنف واستفزازات إضافة إلى العمليات التي كنت تنفذ بتحريض من حركة حماس. قرر رئيس الحكومة الإسرائيلية التي كان يرأسها آرييل شارون الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة. رغم إلحاح وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا ريس فإن شارون قد رفض تسليم قطاع غزة في عملية منظمة إلى السلطة الفلسطينية، وهو ما مكن بعد ذلك حركة حماس من فرض سيطرتها على القطاع، الذي دخل في نفق مظلم. 

فرضت إسرائيل بعد ذلك حصارا كاملا على قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع المأساوية واستشراء الفقر. شنت إسرائيل ثلاث حروب عقابية على قطاع غزة في أعوام 2008، 2012 و2014، الأمر الذي تسبب في مقتل أكثر من 3800 فلسطيني وإصابة 15 ألفا آخرين، وإلحاق أضرار فادحة بالبنى التحتية السيئة بطبيعتها بسبب الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للمواقع المدنية، مثل محطات الصرف الصحي ومصانع الدجاج. كان هناك من الأدلة والبراهين ما يثبت أن إسرائيل قد ارتكبت في تلك الحروب الثلاث جرائم حرب فعلية. 

لقد كان الحصار قاسيا وخاصة أن الإسرائيليين لا يسمحون إلا بمرور كميات من الأغذية التي توفر للفلسطينيين الحد الأدنى من السعرات الحرارية التي تبقيهم على قيد الحياة وتمنع أي مساعدة لإعادة تشييد البنى التحتية. لقد أظهرت التقارير أن 95% من مياه غزة ملوثة وغير صالحة للشرب كما أن أغلب سكان غزة يحصلون يوميا على التيار الكهربائي لفترة تتراوح ما بين ساعتين وأربع ساعات فقط في أفضل الأحوال. 

لقد تفاقمت معدلات الفقر حتى بلغت أقصى مستوياتهما كما تفاقمت معدلات البطالة. خلال العقود الثلاثة الماضية، ظلت معدلات البطالة بين الشباب تتراوح ما بين 7% و8% -وهو ما يعني أن أغلب الشبان الفلسطينيين في قطاع غزة لم يحصلوا على وظيفة كما أن ذلك لن يتحقق لهم مستقبلا. لقد تألمت وانفطر قلبي عندما قرأت قصة ذلك المتظاهر الفلسطيني الشاب في غزة والذي نقل عنه قوله مؤخرا: «لا سلام، لا عمل، لا وحدة، لا مستقبل، فما الفرق مع الموت؟ فإذا متنا دعونا نموت ميتة ذات معنى ولا نموت ميتة سدى». 

نظم سكان غزة على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية مظاهرات سلمية عارمة اسموها «مسيرة العودة» خوفا من تنامي هذه الحركة الاحتجاجية السلمية، رد الإسرائيليون، كعادتهم دائما، بكل قوة وعنف مع السعي للتغطية على ذلك بالإنكار والخداع والمراوغة. فقد نشر الجيش الإسرائيلي 100 قناص على التلال الترابية على الجانب الإسرائيلي من الحدود، الأمر الذي أدى خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، إلى مقتل 32 من المتظاهرين الفلسطينيين وإصابة 1300 آخرين. 

لقد زعم الإسرائيليون أن أولئك الذين قتلتهم كانوا يهددون باجتياز الحدود غير أن منظمة حقوق الانسان الإسرائيلية قد وثقت أن الغالبية العظمى من الذي استهدفتهم إسرائيل كانوا على بعد مئات الياردات من الحدود كما أن أولئك الذين زعمت إسرائيل أنهم يلقون الزجاجات الحارقة كانوا على بعد مائة ياردة وكانت تحركاتهم رمزية ولا تشكل بالتالي أي خطورة تذكر على إسرائيل. 

لم تكن هناك في الواقع أي مواجهة حقيقية ذلك أن المتظاهرين الأبرياء، الذين يعيشون حبسين في أكبر سجن مفتوح في العالم، وجدوا أنفسهم مستهدفين من القناصة الإسرائيليين. لعل ما زاد من شعور السخط والاشمئزاز ذلك الفيديو المصور الذي يظهر فيه قناص إسرائيلي وهو يقتل متظاهرا فلسطينيا فيما كان بقية زملائه من القناصين يشيدون بنجاحه. ردت إسرائيل الفعل وطالبت بمعاقبة مصور الفيديو بدل معاقبة القناص الذي أزهق روح متظاهر فلسطيني غير مسلح. 

لقد اعتبر البعض أن «المسيرة الكبرى» مجرد مناورة تقف وراءها حركة حماس غير أن مثل هذه التهمة خاطئة بقدر ما هي فظة وقاسية ذلك أن المجتمع المدني هو الذي أطلق الحملة وقد دعمتها حركة حماس. يجب على كل الفصائل الفلسطينية بمختلف أطيافها أن تدعم هذا التحرك حتى لا تكون حركة حماس هي الطرف الداعم الوحيد. 

يجب أيضا دعم وتشجيع الشعب الفلسطيني عندما يدافع عن قضيته بطرق سلمية، سواء عبر المظاهرات السلمية أو من خلال الحركة المنادية بسحب الاستثمارات من إسرائيل. إذا أنكرنا عليهم هذا الحق في الاحتجاج على الظروف المزرية التي يعيشونها فإننا نكون أشبه بذلك الزعيم الإسرائيلي، الذي قال بكل فظاظة: «فليعودوا إلى بيوتهم وليعيشوا حياتهم». 

آمل أن يلتحق الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس ولبنان والأردن خلال الأسابيع القادمة ويشاركوا في «المسيرة الكبرى». يجب أيضا الاهتمام بمعاناة الشعب الفلسطيني على مدى عقود طويلة وهم يستحقون أن يعترف بحقهم في العيش مثل بقية أبناء البشر الآخرين.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news