العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

البرامج التمهيدية في التعليم العالي.. هل هي ضرورة تربوية؟!

بقلم: د. جاسم بونوفل

الاثنين ١٦ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

«البرامج التمهيدية في التعليم العالي: بوابة نحو النجاح» كان هذا عنوان المؤتمر الدولي الأول الذي نظمه مركز اللغة الإنجليزية بجامعة البحرين الذي عقد بفندق آرت روتانا أمواج وبحضور نخبة من المختصين من ذوي الخبرات في البرامج التمهيدية بالمؤسسات الجامعية من داخل البحرين وخارجها بلغ عددهم حوالي 150 باحثا أكاديميا. 

فكرة المؤتمر مهمة وضرورية ويستحق صاحبها الشكر والتقدير، وكذلك كل من عمل على تنفيذها، لأن هذا الموضوع يهم شريحة كبيرة من الطلاب والطالبات هم على أعتاب التخرج من المرحلة الثانوية ويستعدون للدخول في مرحلة دراسية جديدة تختلف جذريا عن المرحلة الدراسية السابقة (المرحلة الثانوية)، مرحلة أكثر ما يميزها عن تلك المراحل أن الطالب يعتمد فيها اعتمادًا كليا على ذاته في دراسته وتحصيله العلمي بعد أن كان يستعين بأسرته في مهمة مراجعة دروسه وأداء واجباته؛ فالأسرة تهيئ له الجو المريح للتحصيل وللاستعداد للامتحانات. من هنا تكمن أهمية هذه البرامج، فإلى جانب أنها تمد الطالب بالكفايات والمهارات اللازمة التي ترفع من قدراته ومهاراته التعليمية وتغرس الثقة في نفسه بأنه قادر على الدراسة الجامعية فإنها في الوقت ذاته -أي البرامج التمهيدية- تهيئ الطالب/ الطالبة للانخراط في الحياة الجامعية وتساعده على التكيف والانطلاق نحو مرحلة جديدة في حياته.

توصيات الأوراق التي قدمت في المؤتمر وعددها تسعة، تؤكد أهمية الاهتمام بالبرامج التمهيدية؛ لأنها باتت ضرورة تربوية لا غنى عنها في المرحلة الجامعية نظرا إلى الفائدة التي تعود على الطلاب نتيجة تلك البرامج؛ فهي تسهم في رفع مستوى أداء الطلاب في مهارات اللغة الإنجليزية التي تُعد مادة أساسية في كثير من التخصصات ويعول عليها كثيرًا في الدراسة الجامعية. كما أنها تسهم في رفع مستوى قدرات الطلاب وبذلك فإن وجودها في الجامعات بات ضرورة تربوية وليس ترفا، وأن إدراجها من ضمن البرامج الجامعية هو بقصد معالجة إشكالية أصبحت ظاهرة منتشرة في الأنظمة التعليمية العربية تتلخص في ضعف مخرجات التعليم، حيث أثبتت العديد من الدراسات أن خريجي المرحلة الثانوية الذين يلتحقون بالدراسة الجامعية يعانون من ضعف كبير في كثير من كفايات ومهارات اللغتين العربية والانجليزية والرياضيات والعلوم فضلا عن السمات الشخصية الأخرى التي تُعد من المتطلبات الأساسية في التعليم العالي. من هنا يؤكد القائمون على البرامج التمهيدية أن الهدف الرئيس من إنشاء تلك البرامج هو وقاية الطلبة من التعثر والإخفاق أثناء التحاقهم بالبرامج الدراسية المتنوعة، وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح تحسب للجامعات. لكن من جانب آخر هل هذه البرامج إذا نظرنا إليها من منظور اقتصادي (اقتصاديات التعليم) تنسجم مع مفاهيم اقتصاديات التعليم؟ لا شك أن تلك البرامج تزيد من الكلفة السنوية للطالب الجامعي ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه الجامعات الحكومية من شح في مواردها المالية. 

لذا نقول: إن الاستمرار في هذه البرامج يشكل هدرا ماليا، وبناء عليه لا بد من إعادة النظر في هذه المسألة ويجب أن تكون مقاربتنا لها بمنظور مختلف عما يجري الآن. والسؤال الذي لا بد من طرحه هو أين تكمن المشكلة؟ في الواقع أن أصل المشكلة يعود إلى مراحل التعليم العام، ولذلك فإن الحل الأمثل لها يجب أن ينطلق من تلك المراحل وليس من مرحلة التعليم الجامعي. 

وبناء عليه فإن الجهود يجب أن تنصب على معالجة الضعف في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي وفي اعتقادي أن هذه الخطوة هي البداية الحقيقية لحل المشكلة ومتى ما تم معالجة مشكلات التعليم العام فإننا بالتأكيد سنستغني عن البرامج التمهيدية. 

في هذا السياق نتساءل لماذا تتحمل الجامعة معالجة إشكالية ليست هي المسؤولة عن حدوثها؟ فالأجدر أن تتحمل الجهة المتسببة في نشوء هذه المشكلة؛ فالضعف في مخرجات التعليم وزر تتحمله مرحلة التعليم ما قبل الجامعي لأنها أخفقت في تحقيق هدف أصيل من أهدافها وهو إعداد طلابها للدراسة في المرحلة الجامعية فجاءت مخرجاتها ضعيفة لا تتلاءم مع متطلبات التعليم الجامعي ولا تمتلك الكفايات المطلوبة، وتنقصها المهارات التي يطلبها التعليم الجامعي. 

من هنا نقول ليس من المعقول ولا المقبول أن تدفع الجامعة فواتير السنة الإضافية للطالب الجامعي من خزينتها، إذ من المفترض أن يجتاز الطالب أربع سنوات دراسية للحصول على الإجازة الجامعية، ولماذا تتحمل الجامعة أعباء مالية إضافية كان يمكن توفيرها لو أن التعليم العام قام بمعالجة هذه الإشكالية منذ وقت مبكر أي منذ المراحل الأولى من التعليم.

 إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها معظم الدول العربية تدفعنا إلى التأكيد على ضرورة قيام المسؤولين عن التعليم العام في البلدان العربية بمبادرات حقيقية هدفها معالجة «ضعف المخرجات التعليمية» في مراحل التعليم العام.  في اعتقادي أن الكرة في هذه المسألة في ملعب المسؤولين عن نظام التعليم العام في البلدان العربية وليس في ملعب الجامعات، وعليهم من الآن التفكير بجد في وضع خطط واستراتيجيات وإجراءات من شأنها رفع مستوى مخرجات التعليم بحيث يتخرج الطالب من المرحلة الثانوية وهو يتقن جميع الكفايات التعليمية المطلوبة في المراحل التعليمية كافة ابتداءً من مرحلة التعليم ما قبل المدرسة وحتى المرحلة الثانوية. ومسألة الإتقان في التعليم عملية ضرورية وهي صعبة ولكنها في الوقت ذاته ليست بالمهمة المستحيلة إذ إن ذلك يتطلب مراجعة جوهرية لكثير من المسائل التي تؤثر في تحسين المنتج التعليمي مثل: المناهج وأساليب التعليم وتوظيف التقنية في التعليم وتطوير القيادة المدرسية. فالمناهج على سبيل المثال بحاجة ماسة إلى غربلة وتنقية من الشوائب والتكرار الممل، كما أن أساليب التدريس المتبعة في المدارس العربية لا تزال تركز على التلقين وبعيدة عن الإبداع. 

أما توظيف التقنية في التعليم فهي الأخرى دون المستوى المطلوب، إذ لا يزال التعليم الإلكتروني ضعيفًا في التعليم العربي، وهذا ما تؤكده معظم الدراسات في هذا المجال، وحينما يأتي الحديث عن الإدارة المدرسية ودورها في رفع مستوى مخرجات التعليم، فإن بعض الدراسات تؤكد أن الإدارة المدرسية في معظم الأنظمة التعليمية العربية ليست أحسن حالا من المناهج وأن جل وقتها مخصص للجانب الإداري ولا ينال الجانب الفني من وقتها إلا النزر اليسير ونتيجة لذلك فإن دورها في رفع مستوى التحصيل عند الطلاب لا يزال ضعيفًا، الأمر الذي يفضي إلى تدني وضعف مخرجاتها. 

خلاصة القول في هذه المسألة هو، إنه ليس من الإنصاف تحميل الجامعات مسؤولية مشكلة ليست هي المتسببة في حدوثها، وإذا كان من المقبول حاليا أن تستمر الجامعات إلى ما لا نهاية في البرامج التمهيدية فهو لفترة مؤقتة لمعالجة مشكلة آنية، فإنه ليس من المعقول أن تستمر في تلك البرامج؛ لأن الجامعات ليست مجبرة على معالجة مشكلة ليست من اختصاصها، لذلك فإن الحل في رأيي يجب أن تتحمله الجهة المتسببة في حدوث المشكلة. وفي هذه الحالة فإن الكرة تكون في ملعب التعليم العام بالدول العربية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news