العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

صمت القبور يكتنف ذكرى سقوط بغداد

مرت قبل أيام الذكرى السنوية الخامسة عشرة على سقوط عاصمة الرشيد، بغداد، في أيدي القوات الأمريكية الغازية بعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء عملية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، بعد أن تمكنت الدبابات الأمريكية بفضل التفوق التقني، العددي والنوعي، من الزحف إلى العاصمة العراقية واحتلالها وبذلك دشن هذا الحدث، العصر الأمريكي المكشوف في المنطقة العربية وفتحت أبواب جهنم على مصارعها لتحول العراق إلى مستنقع للدماء والقتل والتفتيت الاجتماعي، وكان ذلك كله تحت حجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل تارة، وتارة أخرى «تخليص» الشعب العراقي من ديكتاتورية نظام الرئيس الراحل صدام حسين وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي هيمن على السلطة السياسية ومقدرات العراق منذ عام 1968.

أثبتت حملات التفتيش الأممية المكثفة التي جابت جميع مناطق العراق ومرافقه المختلفة، بما في ذلك القصور الرئاسية والوزارات السيادية في أكبر عملية استفزاز سياسي متعمد، أثبتت هذه العملية خلو العراق من مثل هذه الأسلحة وأسقطت الكذبة الأمريكية والغربية بشأن ذلك، لكن في حقيقة الأمر أن أسلحة الدمار الشامل ليست سوى حجة وذريعة للبدء في تنفيذ استراتيجية «الفوضى الخلاقة» الأمريكية التي بشرت بها كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وهي السياسة التي أثبتت أحداث العراق وما بعدها، أنه لم ولن يتوقف هدفها الاستراتيجي عند حدود بلاد الرافدين العراق.

إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد استطاعت إسقاط نظام صدام حسين وإعدامه مع غالبية أعضاء القيادة السياسية والعسكرية العراقية، ومن ثم احتلال العراق وتدمير مقدراته المادية والبشرية، فإن أمريكا نفسها وبإرادتها الذاتية كشفت زيف ادعاءاتها بشأن أسلحة الدمار الشامل وبشأن «الديمقراطية» التي بشرت بنشرها في العراق بعد افتضاح أكذوبة هذه الأسلحة، فأمريكا لم تزرع بذرة واحدة من بذور هذه الديمقراطية، ولم تضع حجرا على حجر لترميم ما دمرته خلال حربها العدوانية وخلال أكثر من ثلاثة عشر عاما من الحصار الخانق الذي كلف أبناء الشعب العراقي مئات الآلاف من الضحايا وانتشار أمراض سوء التغذية وغير ذلك.

خمسة عشر عاما من غزو العراق واحتلاله وتدنيس عاصمة الرشيد، سنوات مليئة بأبشع ما أنتجه العقل البشري من ممارسات همجية يمكن اختصارها فيما كشفت عنه أوضاع المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب السيئ الصيت والسمعة، الذي سجلت في بهواته وزنازينه تلك الممارسات التي تحط من كرامة الإنسان على أيدي محققي الاستخبارات والأجهزة الأمنية والعسكرية الأمريكية، هذه السنوات كانت بمثابة أحلك المحطات في حياة الشعب العراقي، حيث تعطلت بشكل شبه كامل حركة التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وتحول العراق إلى ساحة صراع دموي ومرتع لشتى أشكال التطرف العنفي والطائفي والديني.

كل الحجج التي ساقتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها لتبرير جريمة الغزو سقطت، بل واعترف العديد من قادة الدول التي شاركت في هذه الجريمة بأن غزو العراق كان خطأ كبيرا وبأن صدام حسين لم يمتلك أسلحة دمار شامل وليس للسلطات العراقية أي علاقة بتنظيم «القاعدة» الإرهابي أو أي صلة بالهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر عام 2001، لكن كل هذه الاعترافات لن تعيد الحياة لمئات الآلاف من الضحايا وأضعافهم من المصابين والمشردين نتيجة هذه الجريمة ولن تعيد إلى العراق ثروته التي أهدرت وسرقت من قبل العصابات التي جاءت بها جحافل الغزو للتغطية على الدوافع الحقيقية لهذه الجريمة.

الاعتراف بالخطأ عن جريمة بحجم جريمة تدمير العراق وتشريد شعبه، يقتضي اتباعها بمساءلة قانونية للواقفين وراء هذه الجريمة، لكننا لم نسمع عن مثل هذا الإجراء، باستثناء لجنة التحقيق البريطانية المستقلة المعروفة باسم «لجنة تشيلكوت» التي تشكلت بطلب من رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردن براون والتي حملت رئيس الوزراء أثناء غزو العراق توني بلير خطأ المشاركة في الحرب، ورغم كل ما كشفته لجنة التحقيق من حقائق ومعلومات كلها تفضح ادعاءات وأكاذيب توني بلير بشأن ضرورة مشاركة بريطانيا في الغزو، فإن أي إجراء قانوني تجاه المسؤول البريطاني لم يتخذ وكأن كل الدماء التي أزهقت في العراق والدمار الذي حل بهذا البلد، لا يستحق مثل هذه المساءلة القانونية والأخلاقية أيضا.

الأنظمة السياسية في هذه الدول تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن مبادئ هذه الديمقراطية وهذه الحقوق ليست محل التطبيق والتحقيق إذا كانت تعني شعوبا ودولا غير الدول التي تتشدق بهذه المبادئ، فما اقترفه الأمريكان والبريطانيون من جرائم في العراق وعلى رأسها جريمة الغزو تعد واحدة من أكبر الانتهاكات لحقوق الإنسان، حيث أزهقت أرواح مئات الآلاف من المواطنين وشردت الملايين، وهي كلها ممارسات تتناقض مع حقوق الإنسان، ومنها حقه في العيش الحر الكريم.

خمسة عشر عاما انطوت من عمر المأساة العراقية من دون أن تلوح في الأفق المنظور أي علامات على قرب إغلاق فصول هذه المأساة، فالجماعات الإرهابية التي هي إحدى النتائج الطبيعية لجريمة الغزو، لا تزال تعيث في أرض العراق قتلا وتخريبا وتهديدا، والنظام السياسي غير الطبيعي الذي أسسه الاحتلال ووضع لبناته وتفاصيل حركته ليس هو النظام القادر على انتشال العراق من براثن الفساد والمحسوبية القائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية، فمازال الطريق أمام العراق ملغما ومليئا بالعقبات والعراقيل التي تعيق عملية تعافي العراق من وطأة الإفرازات الخطيرة لهذه الجريمة التي لا يمكن أن تسقط بالتقادم.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news