العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

التدبر.. منهاج عالمي!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٥ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

التدبر بالنسبة للمسلمين عبادة مهجورة قد آن الأوان أن يعود المسلمون إلى إقامتها والحرص عليها، وخاصة أنهم في زمن تقدم فيه العلم، وتعددت وسائله وغاياته، والمسلمون عندما كانوا يمارسون عبادة التدبر بلغوا المكانة الرفيعة بين الأمم، وكانوا الأمة العظيمة التي انتصرت على إمبراطوريات الفرس والرومان، فلما عطل المسلمون عبادة التدبر تخلفوا وسبقتهم أمم كثيرة بسبب أن هذه الأمم درست أسباب نجاح المسلمين، وعناصر القوة في دينهم، فأخذوا بها ليس عبادة ولكن من أجل التقدم والريادة.

إذن، فالحضارة الغربية أخذت بعيادة التدبر، ووقف علماؤها أمام الظواهر الغريبة، وحاولوا فك طلاسمها، والغوص فيها للبحث عن أصولها، والأسباب الكامنة وراءها، وهذا هو التدبر الذي حضنا الإسلام عليه في أكثر من آية، يقول سبحانه وتعالى: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها» محمد/24، وقوله سبحانه: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا» النساء/82، وهذا ما صنعه علماء الغرب بالنسبة إلى الظواهر العلمية، فإنهم وقفوا أمام هذه الظواهر حتى قادهم هذا التدبر إلى استنباط القوانين الكامنة وراءها، ودعونا نتأمل بعض هذه الظواهر وما حققه العلماء من خلال تدبرها، والغوص في أعماق الظاهرة، وتجاوز ذلك إلى أصل الظاهرة، ومعلوم أن الظاهرة لا تكون ظاهرة إلا بعد أن تتجلى للناس من خلال التفاعل الذي يجري بين مكوناتها، وهذا يسري حتى على الظواهر الاجتماعية، من الصلاح والفساد، وها هو القرآن العظيم يؤكد لنا هذا فيقول سبحانه وتعالى:«ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون»الروم/41، فالفساد قبل أن يصير ظاهرة يراها الكثير من الناس كانت بداياته خروجا على الأخلاق والأعراف ولم يلق من الناس مستنكرا أو مصلحا حتى نمت بذرته، فصارت شجرة ضخمة تحتاج إلى جهد كبير لإزالتها.

إذن، فالظواهر في أصولها وفصولها تفاعلات بيئية وأخلاقية قد تتحول إلى خير أو تصير إلى شر، وهنا يبدأ دور المصلحين في رصد هذه الظواهر للحد من انتشارها أولاً إن كانت شرًّا، ثم علاج أسبابها، أما إن كانت خيرًا فيكون دور المصلح هو المعونة على تنامي هذه الظاهرة الخَيِّرة، ودعم الجهود في استمرارها وزيادتها.

ومن الظواهر العلمية التي وقف أمامها العلماء، وحاولوا البحث عن الأسباب الكامنة وراءها هي ظاهرة سقوط ثمرة من شجرة، قالوا إن العالم اسحق نيوتن كان جالسًا في ظل شجرة يتأمل الوجود من حوله، وفجأة سقطت ثمرة من الشجرة التي كان يستظل تحتها، فتوقف عند هذا الحدث، وأخذ يطرح على نفسه أسئلة: لماذا سقطت هذه الثمرة على الأرض، ولم تنحرف يمينا أو شمالا، أو تقف في منتصف المسافة بين الشجرة والأرض؟! واستغرقه التفكير في هذه الظاهرة، وأخذ يفكر ويضع فرضًا لما حصل حتى قاده هذا التفكير، بل قاده هذا الاستغراق إلى اكتشاف قانون الجاذبية، وهذا لون من التدبر في الظاهرة جعله أول من اكتشف قانون الجاذبية.

والسؤال: من منا لم ير ثمرة أو تفاحة تسقط من شجرة؟ كلنا أو معظمنا رأى ذلك، وكل جهد بذلناه هو أن نلتقط الثمرة ونأكلها ربما قبل غسلها مخافة أن يسبقنا إليها شخص آخر، ولكن العالم اسحق نيوتن هو الوحيد الذي لاحظ واستغرب وتدبر في الظاهرة، وقاده كل ذلك إلى اكتشاف قانون الجاذبية!

مثال آخر، وهو العالم أرخميدس، الذي استعان به الملك ليعرف هل التاج الذي صنعه له الصانع من الذهب الخالص الذي أعطاه إياه، أم هو مغشوش بمادة أخرى، فأخذ العالم أرخميدس يفكر، ولم يجد وسيلة إلى اكتشاف حقيقة التاج، هل هو من الذهب الخالص أم خلط بمادة أخرى، وظل مهمومًا بهذه المسألة، والملك يستعجله للكشف عن حقيقة التاج، وفي يوم دخل أرخميدس الحمام ليستحم، وعندما دخل في المغطس انزاح قدر من الماء خارج المغطس، فأخذ يتأمل الظاهرة، وحاول أن يجد لها تفسيرا، وكان التاج وقطعة الذهب لديه، فأخذ يجربها ويكرر المحاولة ويرى الفرق في كمية الماء المنزاح عن التاج، وكمية الماء المنزاح عن قطعة الذهب، فخرج من الحمام وهو يصرخ: وجدتها.. وجدتها، وقالوا: إنه من فرحته خرج عريانا ولم يلاحظ ذلك، وذهب إلى الملك، وأجرى التجربة بين يديه، وأثبت أن الصانع قد أضاف إلى التاج شيئًا من الفضة لأن كمية الماء التي نزلت من الإناء حين وضع فيه التاج أكبر من كمية الماء التي نزلت من الإناء حين وضعت فيه قطعة الذهب الخالص، أعجب الملك بما توصل إليه العالم أرخميدس، وعاقب الصانع على غشه.

وهكذا لو لم يتأمل العالم أرخميدس الظاهرة وتدبرها لما استطاع أن يكتشف قانون الطفو أو ما يسمى بقاعدة أرخميدس.

مثال ثالث، من منا لم ير غطاء القدر وهو على النار يرتفع وينخفض بسبب البخار الساخن؟ كلنا رأى ذلك، ولكن العالم جيمس واط هو وحده الذي توقف عند الظاهرة، وأخذ يبحث عن الأسباب التي تكمن وراء حركة الغطاء، واستطاع أن يخترع آلة تتحرك بقوة البخار.

من هنا ندرك أهمية التدبر في حياتنا لأنه يفتح لنا بوابة الأسرار، ويكشف لنا عن قوانين لا نكاد نعلم عنها شيئا، وهذا هو ديدن العلماء في كل عصر الذين تحفزهم هممهم إلى طلب المعالي من الأمور، ولا يرضون بالسفاسف منها. إن الرغبة في التميز والحرص على التفرد تدفع الكثيرين منهم إلى ركوب الصعاب، والسير في الطرق الصعبة، وهم يجدون في ذلك غاية المتعة حين يتغلبون على المصاعب، وهم لا يجدون من يزاحمهم على هذا لأن كثيرًا من الناس يؤثرون السلامة، ويختارون الطرق السهلة الميسرة، والغايات القريبة، ويدعون الغايات البعيدة، وهذا الاختيار يتم بحسب منسوب الهمة، فإن كان منسوب الهمة عاليًا عندهم اختاروا الصعب من الغايات، والعسير من السبل، وإن كان منسوب الهمة عندهم منخفضًا ومتدنيًا اختاروا السهل في كل شيء، والحضارة لا يبنيها أصحاب الهمم الضعيفة، بل يبنيها الرواد في كل مجال من المجالات من الذين سبقوا غيرهم إلى آفاق بعيدة، ولقد كان علماء الإسلام على هذه الدرجة من التطلع إلى البعيد من الغايات، ويرتادون العسير من السبل لأنهم يعلمون أن وراءها ثمرة تستحق العناء والتعب، لهذا استطاعوا أن يصنعوا حضارة لا يزال التاريخ يلهج بذكرها، وينوه بفضلها على الحضارات اللاحقة لها، ولقد كان المسلمون كذلك عندما جعلوا التدبر رائدهم وسبيلهم في ارتياد آفاق رحبة يعجز المنافسون لهم عن ارتيادها وخوض غمار المواجهة مع غيرهم. 

إذن، فنستطيع أن نقول ومن دون أن نتهم بالمبالغة أو التعسف أن التدبر علم إسلامي دعا إليه القرآن، وجعله السبيل لفهم مقاصد الشريعة، ولقد سبق أن أشرنا إلى بعض الآيات الدالة على اهتمام الإسلام بالتدبر والحض عليه.

 

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news