العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

الثقافي

ســـرديــــات.. قواعد العشق الأربعون» وسرديات التجلي والتأثير!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ١٤ أبريل ٢٠١٨ - 10:11

عندما زرتُ تونس قبل بضع سنوات خلتْ عرجتُ على ضاحية سيدي بوسعيد، وهي الضاحية التي تضم ضريح الولي الصوفيّ أبي سعيد الباجيّ الذي كان معاصرًا لولي آخر هو أبو الحسن الشاذليّ. ثمّة سلالم ومراقٍ طويلة كي تصل إلى الأعالي حيث تتناثر البيوت البيضاء المنقوشة بأبواب وشبابيك زرقاء بتلك الزخارف العريقة العتيقة في رمزية جماليّة استثنائية. وأنا أصعد السلالم تذكرتُ ما قرأتُ عن رمزيتها، إنَّها ليست مجرد سلالم وعتبات حجرية إنَّها تمثل مرتقى المريد الصوفيّ في درجاته حتى يصل إلى الدرجة العليا التي تمثل القطب الصوفيّ. إذن لم يقتصر الفكر الصوفيّ والثقافة الصوفية فقط على تلك المصنفات الكثيرة وعلى تلك المدوّنة الهائلة لأدب وفكر ترسخ وتجذَّر خلال قرون طويلة في الإسلام، وأفرز حتى طقوس الثقافة الشعبية من فنون الرقص الصوفي وفي مقدمتها تأتي رقصة السيما» الصوفية العائدة إلى فرقة «المولوية»؛ وهي الرقصة التي يرفع فيها المريد يديه إلى الأعالي في حين تدور تلك التنورة القصيرة التي ارتداها وتختلط فيها الألوان بسرعة رهيبة حتى تُمس الألوان كلها، ولايتبقى سوى لون واحد. هذه الرقصة التي هي بمثابة فولكلور سياحي في بعض الدول العربية هي في حقيقتها رقصة كونيّة كبرى؛ فرقصة «السيما» إنَّما ترمز إلى وحدة الوجود وفناء المريد في الذات الإلهية. وفرقة «المولوية» هي فرقة منسوبة إلى مولانا جلال الدين الروميّ، القطب الصوفيّ المعروف. وأفرزت الثقافات الصوفية كذلك فنونًا خاصة بالعمارة، في تلك الرمزية العميقة جدًا، وما ذكرته قبل قليل عن ضاحية سيدي بوسعيد هي واحدة من معالم الثقافة الصوفية المعمارية في الحقبة القروسطية.

عندما كتبت الروائية التركية إليف شافاق روايتها «قواعد العشق الأربعون» كانت تعيد تفكيك قواعد الحب الإلهيّ عند جلال الدين الروميّ في سرديتين متوازيتين سردية معاصرة وسردية أخرى تعود إلى عصر جلال الدين الروميّ. وقد ترجمت هذه الرواية إلى عدد كبير من اللغات العالمية، وأحدثت تأثيرًا تناصيًا معها منذ أول إصدارها عام 2011.

تقول إليف شافاق في نهاية الرواية: «اقتربت إيلا من النافذة ونظرت إلى السماء الزرقاء في كل الجهات، ودارت بسرعة من تلقاء ذاتها، وتلاشت وذابت في العدم، وواجهت احتمالات كثيرة، مثل درويش يدور حول نفسه.

ثم قالت ببطء: «تقول القاعدة الأربعون: لا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسـأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أو مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي.. فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنَّه كما هو، نقي وبسيط.

«العشق ماء الحياة. والعشيق هو روح من النار!

«يصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء».

بعد «قواعد العشق الأربعون» تدفقت الكثير من الروايات العربية المشتغلة بهذا الخطاب الصوفي، ولا أعني أنَّ المؤثر الصوفي لم يكن حاضرًا في الرواية العربية المعاصرة فهو موجود بوضوح في بعض النتاجات مثل «كتاب التجليات» لجمال الغيطاني على سبيل المثال. ولكن تدفق الإبداع الروائي العربي صوفيًا ازداد بعد رواية إليف شافاق «قواعد العشق الأربعون»، وازداد حضور استلهام شخصية جلال الدين الرومي في الرواية العربية المعاصرة، ومن ذلك على سبيل المثال رواية «حارس العشق الإلهي، التاريخ السري لجلال الدين الرومي» لأدهم العبودي ورواية «عشق» لأحمد عبدالمجيد كما اشتغل الروائي السعودي على شخصية ابن عربي في روايته «موت صغير»، وهي الرواية الفائزة بجائزة البوكر العربية العام الماضي. وللحديث تتمة قادمة. 

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث،

كلية الآداب، جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news