العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية.. الدين ثقافة روحية تناغمية

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١٤ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

بعد أن ثار الشعب الإيراني ضد نظام الشاه في عام 1979، لم يتأخر الأعداء عن فك حبل السرطان الثيوقراطي فيها، حينما استغلوا ثورة الشعب الإيراني للتحرك كفرصة لخلق الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، بعد أن نشطت مخابراتها، في فك «حبل» معارض، وتدفعه ليتزعم ثيوقراطية طائفية فاشية فاسدة. فجميع زعمائها اليوم يتهمون بعضهم بعضا بسرقة المليارات من أموال الشعب الإيراني، كما أنهم أشعلوا حروبا طائفية في كل بقعة من وطننا العربي، والذي اكتشف الشعب الإيراني حقيقية نظامهم مؤخرا، بعد أن دمروا اقتصاده وتطوره وكرامته بل وحياته، لكي يثور مرة تلو الأخرى للتخلص من هذا السرطان الثيوقراطي المدمر. فتلاحظ عزيزي القارئ كيف حولت هذه الزمرة الدين من ثقافة إنسانية روحانية تناغمية إلى ثقافة فاشية دموية طائفية للتخلف والفساد والعنف والقتل والدمار؟ 

ازدهرت الحضارة الإنسانية في الألفية الثامنة قبل الميلاد، بتطور الزراعة، وتبعها تطور الديانات، لتبدأ مرحلة جديدة من العلوم الروحية والأخلاقية، ولتقوى معها المؤسسات الدينية. وبعد النصف الثاني من الألفية الثانية، أخذت تتطور في دول الغرب العلوم الاجتماعية والفيزيائية لتتحدى مؤسساتها الثيوقراطية بأفكارها العلمية الجديدة، بل ولتنتهي بثورات تفصل الدين عن الدولة. وبينما استمر الغرب في التطور والتقدم خلال القرنين الماضيين، تأخر الشرق العربي وتخلف فكره، فانشل العقل، وحرمت المساءلة الفكرية، وعوقب الإبداع، فزاد الإحباط وقلت الإنتاجية، فانتشر التخلف الاجتماعي والتطرف الفكري وإرهاب العنف، وضعفت القيم الأخلاقية والروحية. وقد أتت دعوة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، حفظه الله ورعاه، للعلماء الأفاضل في وقتها، حينما كرر جلالته الدعوة للارتقاء بالخطاب الديني: «إلى خطاب وطني رصين يستند إلى القيم الروحية والأخلاقية السامية والى الحقائق العلمية والاجتماعية، في إطار الوحدة الوطنية».

والسؤال: كيف يمكن أن نحيي هذه القيم الروحية والأخلاقية في ظروف الألفية الثالثة، وضمن قريتنا الأرضية الصغيرة، لنحقق خطابا دينيا يخلق التوازن بين العلوم الفيزيائية والاجتماعية، وبين العلوم الأخلاقية والروحية، لنكتشف المعادلة الحياتية الناجحة بين المادة والروح، وبين الواقعية والمثالية؟ 

لنراجع معا تاريخ منطقة المينا (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، مهد الديانات السماوية، حينما توجت حضارة الأندلس نجاحها بخلق بيئة الوئام بين الأديان لأكثر من ستة قرون، فاستطاعت أن تنشئ حضارة تحترم العقل، وتقدر المساءلة الفكرية، وتجزي الإبداع. فترجمت علوم الغرب والشرق، وتفحصته بحكمة وشفافية، وبرؤية قائمة على العلم والبحث النزيه، لتـتفاعل أفكار علمائها المبدعة مع إبداعات الحضارات السابقة، لتصبح حضارة عالمية وليبني عليها الغرب الحضارة المعاصرة. لقد اكتشفت حضارة الأندلس سر التوازن بين العقل والدين، بين المادة والروح، بين الواقعية والمثالية، بين العلوم الفيزيائية الطبيعة والعلوم الروحية، كما احترمت الاختلاف، واستفادت من خلافته بإيجابية. والسؤال: ما سر نجاح هذه الحضارة في احترام الاختلاف والوقاية من خلافاته؟ وكيف تعاملت اليابان في تاريخها مع هذا التحدي المعقد؟

لقد درس البروفيسور البريطاني طوني بوزان، في كتابه، «الذكاء الروحي من خلال معرفة الحياة وموقعنا فيها»، سلوك العقل البشري وطرق تفكيره وأساليب تطويره، وطور نظرية الخريطة الذهنية، التي تعرف من خلالها على كيفية التقاط الذهن للمعلومات، وتحليلها، وتوجيهها، وربطها، بالسلوك الإنساني وقراراته. ووضح أهمية الذكاء الروحي في قدرة التعامل مع الاختلاف، وربطه بشمولية هرم الذكاء والمكون: قاعدته، من الذكاء العضلي المهتم بمهارة استخدام الجسم والمحافظة على صحته؛ وجسمه، المكون من الذكاء الذهني المسؤول عن حل معضلات المنطق الكلامية والرياضية، والذكاء العاطفي المسيطر على عواطفنا، والذكاء الاجتماعي المسؤول عن لطف تعاملنا مع الآخرين. وأما قمة هذا الهرم فممثل بالذكاء الروحي، وهو حكمة اختيار الإنسان بين الأنا الذاتية الجسدية، وأنا النفس العليا، الموجهة بالرحمة والتوازن بين الطمأنينة والأمان الداخلي والخارجي، والوعي ببواطن النفس والسيطرة على نزواتها، والعلم بمحدودية المعرفة، والشجاعة والنزاهة، وسرعة البصيرة والرحمة، وحب الآخرين والإحساس بمشاكلهم، وكشف المعادلة الناجحة للتوازن بين الواقعية والمثالية. 

وقد طرح الدكتور علي فخرو، وزير الصحة، ووزير التربية والتعليم، والدبلوماسي البحريني السابق، معضلة السلوك الأخلاقي في منطقة الشرق الأوسط في كتاباته مرارا، فعرض دراسات كثيرة حول التصرفات السلبية في حياة المواطنين، كالاتكالية والفوضوية وقلة احترام النظام وإهمال عامل الوقت والفردية والأنانية، والخلط بين ثنائيات كثيرة، ومنها الخلط بين الشطارة والتدليس. وتساءل: هل تستطيع أمة تتعامل بمثل هذه الخفة بالسلوك والأخلاق أن تخرج من تخلفها وتبدأ نهضتها؟ 

والسؤال المحزن: كيف يمكن أن ينتشر هذا النوع من السلوك في منطقة مهد الأديان السماوية، والمتخمة بالمظاهر الدينية، وبأحزابها السياسية الدينية المتعددة؟ 

لقد حاول السيد ضياء الموسوي، عضو مجلس الشورى البحريني، إيجاد جواب لسؤالنا المحزن في إحدى مقابلاته الصحفية، بعد أن ربط معضلة سلوك المواطن بالخطاب الديني، فقال: «فكر الناس مخطوف نحو الأوهام، ونحن بحاجة إلى فلاسفة وليس إلى خطباء، فبلادي أضاعها الخطباء، ونعاني من ثقافة الموت، فخطباؤنا لا يتحدثون إلا عن أهوال يوم القيامة، وضغطة القبر،. وهذا خلاف ما جاء في القرآن الكريم، القرآن متوازن، ذكر نار جهنم وفواكه الجنة، فالتوازن مطلوب. كما أن المشكلة أن أكثر الإسلاميين مؤدلجين بشكل فاقع، فيخلطون بين ضرورات العصر، وتناقضات التاريخ في خلطات رمادية تضيع فيها مصالح الناس. إنهم يناقشون بعض القضايا التاريخية المطلسمة، فإذا كنا لا نعرف ملابسات اغتيال الرئيس الأمريكي كينيدي قبل عدة عقود، فكيف سنعرف ملابسات بعض الصراعات الصغيرة التي كانت دائرة قبل أربعة عشر قرنا؟»، كما أكد أهمية تطوير الخطاب الديني فقال: «الحل في ولاية الإنسان على نفسه. يقوم اليوم العالم على فكر المؤسسات، وليس فكر نظرية الرجل الوتد، فالدولة المدنية هي الحل، والحضارة هي الحل، والفكر الإنساني هو الحل. أنا لا أؤمن بحزب سني أو شيعي أو مسيحي أو يهودي، بل أؤمن بحزب الكوكتيل، حزب الإنسان، لأن الإنسان هو انتمائي الأول والأخير. أؤمن بالدولة الحديثة لا «الدولة الدينية»، وذلك لأن دولة الانتهازيين الذين يدعون أنها دولة دينية، لا يمكن أن تكون في صف واحد مع الإبداع، وأعتقد أن الليبرالية ذات النكهات الأخلاقية والإسلامية قد تكون أفضل للعالم العربي، وهي البديل لمشاريع الحركات الإسلامية التي أراها لا تخلو من طوباوية فاقعة. أنا إسلامي، ولكني أخشى أن يحكمني أي تيار ديني، ولي تجربة في ذلك، فقد أثبتت التجربة أن الدول الليبرالية أكثر رحمة بنا من الدول الدينية. كما أن مفهوم الدولة الدينية، مفهوم انتهازي حديث، اخترعته الحركات السياسية للوصول إلى السلطة، وهم لا يمتلكون تأصيلا تاريخيا أو تشريعا متماسكا لذلك، فأنا درست عشر سنوات فقها وأصولا، ولم أقتنع ولا بدليل واحد. وكل الأديان تدعو إلى التسامح وعمل الخير للإنسان، وهناك التقاء في المشتركات، فلماذا لا نعمل عليها؟ أنا أتشرف بدخول الكنيسة، فهؤلاء أبناء وطننا وإخواننا في الإنسانية. ومن منا ولد في النجف سيكون شيعيا، ومن ولد في السعودية سيكون سنيا، ومن ولد في روما سيكون مسيحيا، وما أجمل أن نلتقي على المائدة الإنسانية. هل يمكن أن ارفض توماس إديسون لأنه مسيحي، وغاندي لأنه بوذي، والراهبة تريزا لأنها مسيحية، لأنهم ليسوا من ديني؟ لنا ثوابتنا ولهم ثوابتهم ولكننا نلتقي في آلاف المشتركات».

وقد استوعب الشعب الياباني هذه المسلمات، منذ عهد الامبراطور ميجي، عهد التنوير. ففي السنة الأولى من عهده، وفي عام 1867. وهو في الخامسة عشرة من عمره، اعتقلت الشرطة يابانيا في مدينة ناجازاكي كان يتعبد بديانته المسيحية، وكان في تلك الفترة يحاسب القانون الياباني بصرامة من يعتنق المسيحية، لذلك سجنته الشرطة، ووصل الخبر الى الإمبراطور ميجي، وهو في بداية عهده، ويحاول أن يفتح اليابان المنعزلة على العالم، ويطور علاقتها التجارية والصناعية والثقافية مع الغرب. وقد كان الامبراطور ميجي شابا صغيرا عاقلا ورزينا، فاستفاد من هذه الحادثة ليطرح على المجتمع الياباني حوارات حول أهمية التسامح الديني، وحرية الأديان والعبادات. وفعلا نجح من خلال هذه الحادثة بالدفع الى قانون يسمح بحرية العبادات، ومع الوقت تحول الدين في اليابان إلى ثقافة مجتمعية روحية تناغمية، تدفع الى الطهارة، طهارة الجسم والعقل وأخلاقيات السلوك. وتلاحظ اليوم في المجتمع الياباني عدم التشدق واستغلال الدين، بل بالعكس لا يقبل المواطن الياباني اللغو في أمور الدين، بل حين تسأله هذا السؤال يرد بأنه لا دين له لفظيا، ولكن في الحقيقة المواطن الياباني مرتبط بالطهارة بشكل عجيب ارتباطا فعليا لا لفظيا، فهو طاهر في نظافة جسمه، وهو صادق في قوله، طاهر في أخلاقيات سلوكه في البيت والمدرسة والعمل. وهناك حوالي مائة وستين معبدا وثلاثين ألف كنيسة في اليابان، ومعدل الزيارة لكل معبد حوالي سبعة ملايين زائر سنويا. وتجمع زيارة المعبد بين السياحة والتبرك، وفي كثير من الأحيان للدعاء، فطالب التوجيهية يزور المعبد لكي ينجح في الامتحانات، والزوجة تزور المعبد لكي ترزق بطفل سليم، والتاجر يزور المعبد لكي يبارك تجارته. بينما تكون المناسبات الدينية مهرجانات ملونة جميلة، تهدف الى جمع التناغم بين أفراد المجتمع في هذه المناسبات. فالدين في اليابان ثقافة روحية تناغمية جميلة، وجميع الأديان والمعتقدات تحترم، وتعتبر جزءا من ثقافة المجتمع كاللغة والتاريخ. فتلاحظ أن المواطن الياباني يزور ضريح الشنتو تبركا لولادة مولوده الجديد، ويحتفل بجزء من زواجه في المعبد وبكنيسة صغيرة في قلب الفندق، أما الوفاة فطقوسها بوذية. لقد استفاد الشعب الياباني من أخطاء تاريخه الطائفية ليخلق مجتمعا متطورا، اقتصاديا، وتكنولوجيا، وعلميا، وروحيا، وأخلاقيا. وباختصار شديد، من دون تنفيذ خطاب وطني رصين يحترم الاختلاف ويستند إلى القيم الروحية والأخلاقية ويعتمد على الحقائق العلمية، وفي إطار الوحدة الوطنية والمواطنة الصالحة، والتي تشمل الإخلاص للوطن والالتزام بالدستور واحترام القيادة الدستورية، وتأكيد الواجبات قبل الحقوق، وبالإيمان بأن العبادة هي واجب شخصي بين الإنسان وخالقه، وليست طقوسا للتباهي والتطرف، واستغلالها في السياسة، وبأن الدين هو المعاملة بسلوك أخلاقي يوازن بين الواقعية والمثالية، فهل تستطيع منطقة المينا تحقيق تنميتها لتشارك في بناء حضارة الألفية الثالثة؟  ولنا لقاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news