العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

«من وحى الإسلام»: الفنون الإسلامية : صناعة الغوص واستخراج اللؤلؤ (5)

الجمعة ١٣ أبريل ٢٠١٨ - 11:43

* التنظيم المهني لصناعة اللؤلؤ: 

     تتطلب عملية استخراج اللؤلؤ كأية عملية اقتصادية أخرى مهمة وجود عناصر إنتاجية تتمثل في توافر رأس المال الكافي لأجل تجهيز السفن وإعدادها جيدا للقيام برحلة الغوص، وبالأخص قدرتها على المكوث في البحر مدة تصل إلى أربعة أشهر، وهذا يتطلب تزويدها بالمؤونة اللازمة من التمر والسمن والأرز والقهوة والسكر والشاي والماء النظيف إلى جانب بعض الأدوية العلاجية ثم المال اللازم لإقراض الغواصين بعضا من أجورهم مقدما ويسمى (تسقاما أو تزقاما) لتزويد أهاليهم خلال فترة غيابهم في عرض البحر.

 وهذا ما جعل عملية الغوص وتمويله أمرا مكلفا لا يقدر عليه إلا الطواويش ذوو الأملاك والثروات من كبار تجار اللؤلؤ والذين يستغلون هذه المهنة لصالحهم.. وقد يعتمد الحظ والتوفيق إلى جانبها، وقد يلجأ النواخذة إلى الطواويش (تجار اللؤلؤ) لتمويل الغوص، وقد لا يسعف القدر بعضهم فيرجع من الغوص خالي الوفاض أو صفر اليدين.. ويصبح الطواش هنا هو المسيطر والفائز بنصيب الأسد، كما يتطلب العمل قوة عاملة ماهرين وأصحاب خبرات سابقة لما تتميز أعمالهم بالجلد والمكابدة وركوب المخاطر. 

*  وزن اللؤلؤ وتقدير ثمنه 

     بعد الحصول على اللؤلؤ واستخراجه يتم تصنيفه وفرزه بحسب معايير الشكل والحجم واللون والجودة والجمال وبريقه بعدة عمليات فنية وحسابية دقيقة لتقدير أثمانه باستخدام أوزان دقيقة متقنة والميزان المتعارف عليه هو وزن «بونة» نسبة إلى مدينة بونة الهندية (poonah (، ويتكون من المثقال وأجزائه حسب التفاصيل التالية : (المثقال : 24 رتى، الرتى 16 آنة هندية، ربع المثقال 6 رتى وربع الرتى أربع آنات).

 ويتم صنع الأوزان حتى ستة مثاقيل من مادة بلورية بينما تصنيع المثاقيل من الحديد، ويستخدم لوزن اللؤلؤ المنفرد «الدانات» أو لوزن مجموعة لآلئ نظام حساب «الجو» كوحدة لتحديد سعر اللؤلؤ بعد معرفة وزنه وهى طريقة حسابية دقيقة متفق عليها بين تجار اللؤلؤ لمعرفة السعر، ولقد وضعت كتيبات خاصة تحوى جداول حسابية مفصلة تبين عدد الدانات وعدد الأجواء التي تحتويها، ومن ثم تتم عملية تقييم الأسعار على أساسها.

ومما لاشك فيه أن وضع هذه الجداول الحسابية تعتمد عليها صناعة الغوص بأكملها وتستلزم المهارة الفائقة والدراية والصبر فلا تتوافر هذه الصفات إلا في أشخاص يمتلكون القدرة الذهنية العلمية والحسابية الجيدة.

* تجارة اللؤلؤ ومراكزها 

    كانت المنامة عاصمة مملكة البحرين ولنجة الإيرانية حتى عام 1902 م من أهم المراكز التجارية للؤلؤ في الخليج، وكانت مدينة المنامة مركزا للمنطقة الوسطى، ولنجة للقسم الجنوبي، ثم حدث في أعقاب تشديد سطوة الجمارك الإيرانية ووصول المواصلات البحرية الى ميناء الإمارات « دبي» إن انتقلت التجارة إليها إلى حد كبير.

ويرسل كميات لؤلؤ البحرين ولنجة ودبي لمدينة بومباي الهندية حيث تفرز إلى فئات ودرجات لتصديرها إلى الأسواق العالمية وقسم منها إلى بغداد، وكانت بغداد تفضل اللآلئ البيضاء وتشترى مقدارا كبيرا من الفصوص الصغيرة والسحاتيت، واللؤلؤ الأصفر كانت أسواقها متوفرة في الهند وتركيا والمتعاملون ينقسمون إلى فئتين التجار من جهة والطواويش من جهة أخرى على سبيل مبادلة اللؤلؤ بمواد التموين والأغذية والكساء. ويقول الخبراء أن مصايد اللؤلؤ تمتاز بالصقل واللمعان، والمستخرجة من الشمال تتميز بالصلابة أكبر من سواها.. وقد يتوقف نجاح أي فئة منها في درجة نقائه بسبب خبرته والله أعلم. 

*  إحصائيات موثوقة للغوص 

     تشير بعض الإحصائيات إلى مجموع الرجال والسفن العاملين في هذه المهنة بالخليج عام 1907م فتوضح اهتمام العرب الخليجيين باللؤلؤ فقد بلغ عدد السفن 3577 سفينة موزعة كما يلي : 1215 سفينة لسلطنة عمان، وعدد العاملين من الإمارات العربية 22045 رجلا، وفي مملكة البحرين 917 سفينة وعدد رجالها 17633 رجلا ثم دولة قطر 817 سفينة ورجالها 12890 فردا، وأما الإحساء يعمل في موانيها 167 سفينة ورجالها العاملين 3444 فردا. 

وقد قدرت قيمة اللؤلؤ المصدر من الخليج 1833 م حوالي ثلاثمائة ألف جنيه إسترليني، وفى عام 1866م بلغت أربعمائة ألف جنيه إسترليني ثم قفزت في عام 1905م وكذلك 1906م إلى مليون وأربعمائة ألف وأربعمائة جنيه وفى عام 1927م بلغ دخلها 3 ملايين جنيها إسترلينيا وبين عامي 1918 و1919 م بلغ دخل البحرين سبعمائة ألف ويزيد جنيها... وفي عام 1912 بلغ عدد العاملين في الغوص بالكويت ثمانين ألف فرد وبلغ أسطول الغوص 850 سفينة. بينهم الغواصون والبحارة والطواويش وصناع السفن «القلاليف»

*  الفنون البحرية وصناعة الغوص 

     لم تكن مهنة الغوص هي وحدها البحث عن اللؤلؤ لأبناء الخليج استجابة لطبيعة الظروف وتلك هي هبة الله للناس ولقد أضفت هذه المهنة على حياة المجتمع وثقافته صبغة فنية، فارتبطت الأفراح والأتراح بها، وقد قسم الزمن آنذاك إلى فصلين: فصل للعمل والإبحار والأخر لتصريف المحصول والاتجار به، وقد عكس ذلك على العادات والسلوك واللهجات ثم التكوين النفسي، وأصبح الغوص أحد مكونات الموروث الفكري والثقافي والاجتماعي للسكان.

ولعل ذلك تجلى في الفنون الشعبية والبحرية التي انعكست على حياة الخليجيين.. ومن أهم أنواع الأدب البحري في الخليج والموال الزهيري والموال خلق عاطفة جياشة ورابطة اجتماعية حميمة بين فئات المجتمع والزهيريات، ابتدعت في فترات الغوص وكانت واسعة الانتشار على الساحل العربي. 

* سحب الحبل وأغاني البريخة 

هناك أنغام نوع من الأغاني تصدح من النهام ويطلق عليها أغاني «البريخة» ترافق أعمال سحب الحبل المثبت للسفينة ويقال للحبل الزيبل (الخراب) وتتم الأنغام على ثلاث نهمات من مطرب السفينة، وتتضمن غالبا شيئا من الأدعية والابتهالات تصاحبها تصفيقات البحارة الحادة الشجية المتواصلة توازي حركة الأمواج وتلاطمها بالسفينة عبر العباب لتنكسر على الساحل، وأما أهازيج النهمة التي تتميز بها بحارة قاع البحر العميق وبأيديهم المحار وما يعنى في ذلك ما يلي:

 1- سرنا واتكلنا على الله.. ربي عليك اتكالي.

2- يا منجي يوسف من البير.. ربي عليك اتكالي. 

3- يا رازق الدود من الصخر.. ربي عليك اتكالي.

 ولا ريب هناك نوع من التفاعل والانصهار والانجذاب تظهر مختلطة مع اللحن الشجي بين الفنون البحرية والبرية بسبب تداخل البيئتين البحرية والصحراوية وذلك عبر فترة زمنية طويلة نتج عنها أشكال فنية جديدة متجسدة في الأغاني والرقص والمرح (كالصوت) وفن السامري الذي يتمحور حول الغزل والعتاب ولحن الفراق والحنين، ويؤدى أحيانا عن الجلوس وهناك فن «الفجري» ويشكل أحد الفنون البحرية الجماعية ويؤدى على شكل رقصات متنوعة. 

 ويمس النهام في نهماته ومواويله الذكرى والحنين العاطفي للأهل والأحباب فيعيدها حية ندية، ويمحى بكلماته لوعات الألم وقسوة الحرمان فيحولها إلى دفقة يانعة بالأمل.. وترافق تلك المواويل وتيرة العمل والحركة والنشاط وتنطلق زهرياته نبرات صوته التي تتلاقي مع ظروف العمل وعنائه لتخفيف المكابدة والشقاء وكفاح الغوص.

*  بلسم الكلمات ومهجع الهموم 

ورغم أن الأجسام متعبة والترحال متكرر والسفر طويل والعناء عظيم ولكن النهمات تحفظ الوجدان الشعبي والعاطفة التي تجيش بالشوق والحنين، وتتناغم الألحان مع إيقاعات البحارة أثناء علوها وانخفاضها، وتكاد تكون نبرات الأصوات المتداخلة كخرير الأمواج المتلاطمة وهدير العباب الجارف وتهادى السفينة.. وقد تستخدم رنين الدفوف (الطيران والصنوج والطبلة الكبيرة مع التصفيق. 

 ومن أنواع الزهيريات أثناء الغوص والمترددة هي مثلا: 

1- ودعتكم بالسلامة يا ضوى عيني.. 2- وخلافكم ما غمض جفني على عيني 3- وأعدتني بالوعد لمن جفت عيني.. 4- ظليت يا سيدي جسم بلا روح.. 5- قد فرد منى العقل…. وظل الجسم مطروح  6- كل العرب هودت وأنا شقي الروح.. 7- يا نور عيني مثل ما راعيك راعيني 

ويبقى النهام في أخر الأمر صاحب المكانة الوثيرة أثناء عمليات الغوص وصاحب النغم الشجي الذي يولد الإصرار والحزم وجبر الخاطر، والباعث على الانطلاق. 

الهوامش (لآلئ الخليج العربي: الأستاذ عصام ضياء الدين السيد، صناعة استخراج اللؤلؤ: الأستاذ على المرهون عام 1988م، رحلة ابن بطوطة الطنجي بيروت 1964م، الكويت ونهضتها الحديثة :عزيز محمد حبيب 1973م).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news