العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (20)

بقلم: د.غريب جمعة

الجمعة ١٣ أبريل ٢٠١٨ - 11:40

المرحلة السورية (11)

تمهيد تاريخي لا بد منه قبل الحديث عن المرحلة الثالثة من حياة الإمام

تجدر الإشارة بإيجاز شديد قبل الحديث عن هذه المرحلة بالتفصيل إلى تطور الأمور بعد استسلام الدولة العثمانية للحلفاء وما تبع ذلك من تقطيع أوصالها وتقاسم أملاكها بين كل من: بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وقد أطلقوا عليها «أملاك الرجل المريض»، وكان هذا الأمر قد دُبِّرَ بليل بين ثلاث الدول فيما أطلقوا عليه معاهدة سايكس-بيكو. وهي الجزء التنفيذي لمعاهدة بطرسبرج التي عقدت بين الدول المذكورة في مارس سنة 1916م.

وأهم مبادئ هذه المعاهدة:

1- تُمنح روسيا الولايات التركية الشمالية والشرقية (أي غير العربية).

2- تُمنح بريطانيا وفرنسا الولايات العربية في الامبراطورية التركية.

3- تدويل الأماكن المقدسة في فلسطين وتأمين حرية الحج إليها.

وبناء على الخرائط المرفقة بتلك الاتفاقية والتي توضح نصيب كل دولة بلون خاص يميزه عما سواه.

وبناء على ذلك فإن المنطقة (أ) من نصيب فرنسا وتتميز باللون الأزرق وهي تشمل داخلية سوريا وشقة سوريا الساحلية.

أما المنطقة (ب) فهي من نصيب بريطانيا وتتميز باللون الأحمر وتشمل داخلية العراق وشقة العراق الساحلية من بغداد حتى خليج فارس. (لاحظ تغيير اسم خليج العرب إلى خليج فارس على الرغم من وجوده على الخريطة).

وينسب اسم الاتفاقية إلى كل من ممثلِي الدولتين اللذين وقعا عليها وهما مارك سايكس ممثل بريطانيا وجورج بيكو ممثل فرنسا.

وقد ظل أمر تلك الاتفاقية سرًّا حتى عام 1917 حين وقعت صورة من نصوصها في أيدي القوات الألمانية بعد قيام الثورة الشيوعية وإذاعة الشيوعيين للوثائق والمعاهدات المحفوظة بوزارة الخارجية إبان الحكم القيصري.

وقد سارع الألمان إلى تسليم صورة منها إلى الحكومة العثمانية لإظهار خداع بريطانيا التي كانت تتبادل المكاتبات مع الشريف حسين شريف مكة وتقطع العهود على نفسها بمنح الدول العربية استقلالها بمجرد هزيمة الأتراك بالشام، وخوفًا من أن يتسرب أمر تلك الوثيقة إلى العرب فيقوموا بصلح منفرد مع الأتراك، سارعت بريطانيا بإرسال مندوبها هوجارت إلى الحجاز لطمأنة العرب وتهدئة روعهم.

ولكن النمر الأرقط لا يغير جلده والصَّلُّ (حية من أخبث أنواع الحيات) لا تغير سمها وإن كانت ناعمة الملمس، فما إن استسلم آخر جندي تركي بالشام حتى سارعت الدولتان بنكث عهودهما وخيانة العرب بتنفيذ بنود تلك الاتفاقية المشؤومة التي ترتب عليها طرد الملك فيصل بن الحسين ملك سوريا قسرًا من مملكته وخلعه عنوة حتى يتمكن الفرنسيون من احتلال سوريا تحت المسمى الكاذب «الانتداب الفرنسي» لترقية الشعب السوري وتحسين أحواله.

معركة ميْسلون:

وما دمنا قد تعرضنا لطرد الملك فيصل من مملكته قسْرًا وخلعه عنوة فلا بد من الحديث عن معركة ميْسلون وبطل تلك المعركة.

ونؤكد أنه من أجل الحقيقة والانصاف والتاريخ لا بد من الحديث عن هذه المعركة وعن بطلها الشهيد -إن شاء الله- يوسف العظمة وزير الحربية في سوريا آنذاك وسوف نذكرها -بتصرف يسير- كما جاءت في كتاب الأعلام للزركلي ليعرف شبابنا كم في تاريخنا من الرجال الذين جمعوا بين الايمان والرجولة والوفاء كما يصفهم الحق تبارك وتعالى في قوله: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم من قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم من يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً». (الأحزاب: 23).

فمن هو ذلك البطل وما قصة معركة ميسلون؟

هو يوسف بك ابن إبراهيم بن عبدالرحمن العظمة: شهيد ميسلون من الوزراء ومن كبار الشهداء في سبيل الله واستقلال سوريا.

ولد عام 1884م وتعلم في دمشق وأكمل دروسه في المدرسة الحربية في الأستانة سنة 1906م وتخرج برتبة يوزباشى أركان حرب وتنقل في الوظائف والأعمال العسكرية بين دمشق ولبنان والأستانة، وأرسل إلى ألمانيا للتدريب عمليا على الفنون العسكرية ومكث سنتين بها ثم عاد إلى الأستانة فعين كاتبًا للمفوضية العثمانية في مصر.

ولما نشبت الحرب العالمية الأولى هرع إلى الأستانة متطوعًا، وعُين رئيسًا لأركان حرب الفرقة العشرين ثم الخامسة والعشرين وكان مقر هذه الفرقة في بلغاريا ثم في غاليسية النمسوية ثم في رومانيا. وعاد إلى الأستانة فرافق أنور باشا ناظر (وزير) الحربية في رحلاته إلى الأناضول وسوريا والعراق.

ثم عين رئيسًا لأركان حرب الجيش المرابط في قفقاسيا، فرئيسًا لأركان حرب الجيش الأول في الأستانة.

ولما وضعت الحرب أوزارها عاد إلى دمشق، فاختاره الأمير فيصل مرافقًا له، ثم عينه معتمدًا عربيا في بيروت فرئيسًا لأركان الحرب في سوريا برتبة قائمقام ثم تولى وزارة الحربية سنة 1920م بعد أن نودي بالأمير فيصل ملكًا بدمشق فنظم جيشًا وطنيا يناهز عدده عشرة آلاف جندي واستمر يحسن في ذلك الجيش حتى تلقى الملك فيصل إنذار الجنرال غورو القائد الفرنسي الذي كان يحتل سواحل سوريا في ذلك الوقت بأن عليه أن يفض ذلك الجيش العربي وأن يسلم السلطة الفرنسية إدارة السكك الحديدية ويقبل تداول ورق النقد الفرنسي السوري وغير ذلك مما فيه الاستيلاء على ثروة البلاد والقضاء على استقلالها، وتردد الملك فيصل ووزراؤه في بادئ الأمر بين القبول والرفض ثم اتفق أكثرهم على التسليم فأبرقوا إلى غورو بذلك وأمر فيصل بفض الجيش وتسريحه.

ولكن بينما كان الجيش العربي المرابط على الحدود ينسحب منفضًا كان الجيش الفرنسي يتقدم غازيًا إلى داخل سوريا بأمر الجنرال غورو ولما سئل لماذا هذا التقدم والجيش العربي ينسحب أجاب بكل صلف واستخفاف إن برقية الملك فيصل بالموافقة على بنود الإنذار وصلت بعد انتهاء المدة المحددة للرد عليه وهي 24 ساعة!!

وعاد فيصل يستنجد بالوطنيين السوريين لتشكيل جيش أهلي يقوم مقام الجيش الحكومي المنحل للدفاع عن البلاد بعد أن احتلها الجيش الفرنسي.

وتسابق شباب دمشق وشيوخها إلى ساحة القتال في «ميسلون» وتقدم وزير الحربية يوسف العظمة يقود هذه الجموع المتطوعة بنفسه متطوعًا مثلهم ولم يكن هناك وقت كاف لتنظيمها وتدريبها وكان بجواره عدد يسير من الجنود والضباط. وكان قد وضع على رأس وادي القرن في طريق المهاجمين ألغامًا خفية، فلما بلغ ميسلون ورأى العدو مقبلاً أمر بتفجيرها ولكنها لم تنفجر فأسرع إليها ليعرف خبرها فإذا بأسلاكها قد قطعت، فعلم أنه لا مفر من الاستشهاد فلم يسعه إلا أن ارتقى مكانا مرتفعًا ينظر بنفسه إلى دبابات الفرنسيين زاحفة نحوه، وجماهير المتطوعين من أبناء البلاد حوله ما بين قتيل وجريح وشريد فعمد إلى بندقيته وهي آخر ما تبقى في يده من قوة فلم يزل يطلق نيرانها على العدو حتى أصابته قنبلة تلقاها بصدر رحب وهو ثابت في مكانه وكأنه كان ينتظرها، ففاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في أشرف موقف، ودفن بعد ذلك في المكان الذي استشهد فيه وقبره اليوم يعرف بقبر رمز التضحية الوطنية الخالد، يزوره الوطنيون من جميع أنحاء سوريا للترحم عليه والدعاء له بحسن الجزاء.

وكان استشهاده في 7 من ذي القعدة 1338هـ الموافق 24 تموز (يوليو) سنة 1920م كتب الله له الرحمة والرضوان.

تعليق: نقول انظر إلى الخريطة المرفقة لتعرف كيف مزق أعداء الدولة العثمانية هذه الدولة كل ممزق بالغدر والخيانة والتآمر من الداخل والخارج منذ قرن من الزمان وفي هذا العصر تطالعنا المؤامرة المجرمة.

بتمزيق تلك الدول إلى دويلات لإيجاد شرق أوسط جديد تكون إسرائيل وحدها هي أقوى دولة فيه (بلطجي المنطقة) وليذهب العرب إلى الجحيم ونقول بل نكرر ما قلنا من قبل: «أيها المسلمون أفيقوا من النوم وارفعوا عن القدر اللوم».

(انتهت المرحلة السورية وتبدأ المرحلة المصرية فإلى حلقة قادمة بإذن الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news