العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

الاسلامي

أوراق صحفية:آل تافندر (3)

بقلم: رجاء يوسف لوري  

الجمعة ١٣ أبريل ٢٠١٨ - 11:39

كنا نتجمع نحن التلميذات في المساء مع تلك الأسرة الإنجليزية حول التليفزيون وأنا دائما ملتصقة بالمدفأة، مع أنهم دائما يحذرونني من أن ذلك ليس صحيا فتذهب مسز تافندر إلى المطبخ لتحضر لنا شراب الكاكاو الساخن، مع قطع البسكويت.

   ثم نصعد إلى غرفاتنا للنوم، فتلحق بنا وبيدها جِراب الماء المغلي؛ لكي نتدفأ بها في أسرَّتنا الباردة، وكانت تسألنا: واحدة أم اثنتين؟

   بالطبع أنا كنت أطلب منها جرابين، واحده أحضنها بيديَّ، والثانية أطبق عليها بكلتا قدميّ! 

 - حكت لنا «المسز» أنه في بداية حياتها الزوجيَّة أن زوجها كان يُدخن، وكانت هي تكره ذلك، وكان هو يكره منها عندما تضع الروج الأحمر.

        فكانت تُهدده، وتقول له: في كل مرة أنت تُدخن، أنا سأضع الروج!

        تقول: فتوقف عن التدخين!

     - ولقد كانت بينهما عادة رومانسيَّه ظريفة في التعامل فيما بينهما، فكان عندما يعود الزوج من الخارج وما أن يفتح باب بيته حتى يقوم بالتصفير تصفيرة طويلة. لكي يُعلن لزوجته عن عودته، فتُسارع هي إلى رأس السلم من الطابق الثاني لترد على تصفيرته بـ: هوهو.. هوهو!   

  - وكانت صاحبة البيت تحتفظ بدفتر كبير كسجل التشريفات، يحتوي على توقيعات التلاميذ والتلميذات الذين كانت تستضيفهم، وبعضهم كان يلصق صورته.  وبحسب ما أحتفظ بصورتها في ذاكرتي، فهي تشبه ممثلة التايتانيك التي ظهرت في بداية الفيلم،  وقامت بتمثيل دور البطلة وهي عجوز.     

-  وأما الدرس الإنجليزي الذي تعلمناه منهم نحن كأجانب، وربما الوحيد والجديد بالنسبة لي، ألا وهو يجب عدم استخدام مفردة Nice - حسن أو لطيف - فهي لغويا كلمة كسولة Lasy Word   لأنها لا تُحدد الوصف. 

  فمثلا عندما يكون الجو بالنسبة لك Nice فقد يكون العكس لشخص آخر Not Nice .

- وكم استغربت عندما رأيت ولأول مرة في محطة البترول Change Machine   ماكينة «الخردة» أو «الفكَّة» بالمصري أو «الفراطة» باللبناني!

فهي تقبل منك ورقة نقدية كبيرة ك20 باوند، وتُعيد لك مبلغا مُساويا ولكن بورق أصغر، كأن تعطيك ورقتين بعشر، أو أربعة بخمس، أو عملات معدنية، بحسب ما تختاره أنت وتحدده. 

- أذكر أن ابن خالتي عندما سافر لأول مرة للدراسة إلى كندا ورأى آلة 

البيع vending  machine.

 كتب يقول - بمعنى: توجد هنا مكاين في الشوارع - بدون بيَّاع! - نضع فيها الفلوس، فتخرج لنا غرشة البيبسي!

نعود لآل تافندر:

- وبعد مرور الزمن، سمعت بأنه وبعد تقاعده قام مستر تافندر بأعمال فرديَّه - لا أعلم ماهيتها بالتحديد ولكنه كان يُساعد الأرامل والمُطلّقات وكبار السن.

    وفي أحد الأيام أو الليالي استنجدت به إحدى عميلاته بعدما تهجَّم عليها زوجها أو طليقها السكران، فهرع إليها تافندر لمُساعدتها، فطعنه الزوج طعنةً، فقضت عليه! 

- وبعد مُضي سنوات من الزمن، كنت في العاصمة اللندنية أقضي هُناك إجازة مع صغيري الذي كان يبلغ من العمر وقتها حوالي أربع سنوات. فقررت ذات يوم أن أقوم بزيارة خاطفة لتلك الأسرة، وأن أعرفهم على ابني، فاستقلينا القطار.

- الذي يستغرق حوالي الساعة والنصف - ثم استأجرنا سيارة تاكسي التي أوصلتنا إلى ذلك الشارع الجميل الهادئ، كل شيء كان يبدو كما هو، وكأنني قد تركته بالأمس!

لقد كان شارعا جميلا نهارا، ولكن عند عودتي مساء كنت أشعر بخوف، لأنني كنت أنزل من الباص في أسفل الربوة، ثم أسير على قدمي لأعلاها، فكنت بين الحين والآخر ألتفت خلفي؛ لكي أطمئن بأنَّ أحدا لم يكن يتبعني!

ترجلنا من التاكسي، وأنا عيناي تتجوَّل في أنحاء المكان، وذكريات التلمذة تتوالى تترا على مُخيّلتي، ضربت الجرس، ولم يستجب أحد، فرحت أنظر من النافذة المشروخة زاويتها - والمتدلية ستارتها والتي كان يعلوها الغبار وخيوط العنكبوت!  

لقد كان البيت خرابا مهجورا، فبعد أن كان كالمتحف في أناقته ونظامه ونظافته، والتي كانت حركاتنا وسكناتنا محسوبةً علينا تحت سقفه، ذلك البيت التي كانت أحذيتنا مُحرّمة على أرضيته! أصبح اليوم مرتعا للعناكب والحشرات!

- أذكر أنهم كانوا يحدثوننا عن ابنهم الوحيد وزوجته، وحفيدتهم الصغيرة «فيكي vickey» ولكننا لم نقابلهم قط، لأنه كان يُقيم في مدينة أخرى. 

أولجت بطاقتي الشخصية تحت عقب بابهم، وكتبت خلفها رقم تليفوني في عاصمتهم، وبأنني ما زلت أتذكر أيامهم وأفتقدها، وبأنني أحمل لهم هدية شكر. ولكن للأسف لم يتصل بي أي فرد من تلك العائلة!

- وبعد تخرجي ببضعة سنوات، كنت جالسةً يوما في المكتب في البحرين، وتذكرت تلك الأيام، فرفعت سمّاعة التليفون واتصلت بالمدرسة، فكان ردة فعل المديرة مُفاجئا عند سماعها لصوتي، وأخبرتني بأنَّ سبب المفاجأة هو أنها قد حلِمت بي في الليلة السابقة! 

 أرسلت لي بعد ذلك نسخة من مجلة المدرسة وفيها خبر اتصالي بهم، وشوقي لتلك الأيام، وكيف أنني أتمنى لو أنَّ عقارب الساعة تعود بي إلى الوراء!

ilalah@windowslive.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news