العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

اغتنام الفرص (1)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ١٣ أبريل ٢٠١٨ - 11:37

يحرص المسلم على اغتنام الأوقات في المسابقة والمنافسة في الخيرات، كما يتحين أوقات القبول وساعات الإجابة ليدرك حاجته ومطلبه، ولذا فهو يجتهد لاغتنام كل فرص الطاعات ويبادر إلى استثمارها والفوز بها، ليرتقي في درجات الإيمان ليصل إلى مرتبة الإحسان. والإنسان عموما يمر في حياته بمراحل مختلفة من اليسر والعسر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والفراغ والشغل، والقوة والضعف، والحياة وبعدها الموت، وقد يأتي الموت فجأة من دون إنذار، يأتي للصغير والكبير، والصحيح والمريض، للغني والفقير، ولذا فإن المؤمن الفطن يغتنم فرص الطاعات فلا يضيعها لأنه يعلم أنه ليس في كل وقت وأوان تتهيأ مواكب الإحسان، فإذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا. وقد ورد في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما يدل على ذلك، حرصا منه صلى الله عليه وسلم، وتوجيها للمسلم باغتنام الفرص التي تُنجيه من فتن الدنيا وأهوال الآخرة. أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن عبداللهِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. لقد كانت موعظة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأحد أصحابه أن يغتنم فرص الطاعات ويستثمرها أعظم استثمار ليعود عليه خيرها في الدنيا والآخرة، فقال له اغتنم خمسا: أي احرص على خمس أشياء إذا وجدتها وتحققت لك كلها أو أحدها، فلا تتركها تضيع منك هباء من دون فائدة، وذلك قبل أن تفسد أو يحدث ما يناقضها أو يتلفها، فيفوت عليك نفعها وفائدتها ولا ينفع عندها الندم، فبدأ الرسول موعظته لذلك الرجل باغتنام شبابه قبل أن يُهاجمه الهرم والعجز والضعف. وهذا ما أكده القرآن ونبه إليه في قوله تعالى: «الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد من قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير» (الروم: 54). ويقول تعالى: «ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون» (يس: 68). فمرحلة الشباب هي مرحلة القوة التي جاءت بعد ضعف، وهي المرحلة التي يعقبها ضعف وانحدار في جميع القوة البدنية والعقلية، فالشباب ربيع العمر وزهرة حياة الإنسان، فمرحلة الشباب هي مرحلة الإنتاج والبناء والتعمير، هي المرحلة التي يمكن للإنسان أن يترك فيها أثرا نافعا لنفسه ولغيره، فإن فاتت هذه المرحلة من دون استثمار فيما أحله الله من أمور الدين والدنيا، فقد ضيع الإنسان على نفسه خيرا عظيما لا يمكنه تداركه، فإن مرحلة الشباب هي مرحلة الجهاد الحقيقي، جهاد النفس لترويضها على الانقياد والطاعة لله رب العالمين، وجهاد العلم بالبحث والنظر والتدبر فيما خلق الله وفيما أودع الله في هذا الكون من عظيم أسراره، بما يعود نفعه عليه وعلى الإنسانية، وما تأخرت الأمة عن ركب الحضارة إلا بسبب إهمال هذا الجانب في حياتنا، وهي مرحلة تحديد الهوية والشخصية، فإن صلحت هذه المرحلة صلحت حياة الإنسان وسعد في دنياه وآخرته. وقد مدح الله تعالى أصحاب الكهف لقوة إيمانهم، وسلامة عقيدتهم وحصافة عقولهم وهم مازالوا في بداية مرحلة الشباب، يقول تعالى: «نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا» (الكهف: 13-14). وحينما يحثنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) على اغتنام فترة الشباب والقوة في الطاعة وما يُصلح حياة الإنسان، لأنها فرصة لا تتكرر، فإذا مضى شباب الإنسان لا يعود إليه أبدا، وهذه المرحلة الغالية والفارقة في عمر الإنسان سيُسأل عنها يوم القيامة، ماذا فعل فيها؟ وكيف أمضاها؟ لأنها نعمة عظيمة يمن الله بها على عباده، ليعبدوه ويوحدوه ويعمروا الأرض بالخير والإصلاح، لأن الله أوجدها صالحة وهيأها للإنسان. يقول تعالى: «ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين» (الأعراف: 56). ولقد بين الإسلام أن المؤمن القوي في عقيدته وبنيته خير من الضعيف في عقيدته وهمته ونشاطه، كما دعا الإسلام إلى أن يحرص المسلم على ما ينفعه في دينه ودنياه، ولا يكون ذلك إلا باغتنام الفرص، بشرط ألا يصل إلى الأنانية وحب الذات فيما يخص أمور الدنيا، والناس في زماننا هذا تنافسوا في الدنيا وتزاحموا عليها حتى جعلوها أكبر همهم وهذا ما حذر منه الإسلام، إنما الواجب أن يكون هذا التنافس في أمور الدين، فمن نافسك في الدين فنافسه، يقول تعالى: «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» (المطففين: 26). ومن نافسك في الدنيا فألقها في وجهه، أخرج مسلم في صحيحه بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِز،ْ وَإِنْ أَصَابَكَ شيء فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَل، فإن لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. وهكذا ينطلق المسلم في حياته يسعى إلى الخير، ويحرص على الطاعات، ويأخذ بالأسباب المشروعة لتحصيل أمور معيشته فيما يتقنه، ويتعلم ما يجهله ولا يتقنه، وهو متوكل على الله، فإن وفقه فالفضل بيد الله تعالى، وإن لم يُوفق بعد الأخذ بالأسباب المشروعة فلا يندم ولا يتحسر ولا يفتح باب لو لأنها باب الشيطان. وهكذا يجمع المسلم بين الحسنيين. فاحرص أيها المسلم على اغتنام شبابك في كل وجوه الخير والبر والإحسان لتفوز برضا الرحمن.. والله المستعان.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news