العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

شبكات التواصل الإلكتروني وإشكالات الداخل العربي

بقلم: حسن الأسود

الخميس ١٢ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

بداية أود ان ارفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى المقام السامي لجلالة الملك المفدى حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه، كما ارفع التهاني والتبريكات إلى مقام صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر وإلى مقام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين حفظهم الله جميعًا، وذلك بمناسبة الاكتشافات الأخيرة للزيت الصخري والغاز المُصاحب، وقد تم ذلك بتوفيق من الله وإسباغ لنعمه على هذه الأرض وأهلها، وذلك ان دل على شيء فإنما يدل على تلاقي إرادة الحاكم والمحكوم على إعمار الأرض وإصلاحها وبذلك تتم النعم ويتحقق التوفيق، كما أن هذه النعمة قد تيسرت في هذا العهد الميمون لجلالته حفظه الله وهي من اكبر الدلائل على رحمته برعيته ولطفه بهم، لقد فتح الله على البلاد والعباد بك يا أبا سلمان (فأنت أنت غيث الأرامل واليتامى،، وحاميها إذا حُمَّ البلاءُ) فالله نسأل ان يُمد في عمر جلالتكم ويوفقكم للمضي بالبحرين في سبل الخير والرخاء. 

يُعد الفضاء الإلكتروني المفتوح أحد أبراز مظاهر التواصل الإنساني التي برزت في العشرين سنة الأخيرة وقد وصل إلى مرحلة من السرعة والتطور في نقل الأفكار والإبداعات وبضغطة زر إلى كافة أصقاع المعمورة، وهذا التطور العلمي والتقني وعلى قدر ما يُحقق من منافع شكلت نعمة للإنسانية إلا أن بعض الأفراد وضعيفي المدارك والمُبلسون في الأرض مُصرين على سوء استخدامه وتحويله إلى نقمة، وذلك من خلال عملية استخدامه في نشر السوء والتدليس والافتراء على الآخرين ونشر الفساد متخفين في ذلك وراء اسماء وخلفيات مُستعارة، فأدوات التواصل الاجتماعي متوافرة اليوم بين أيدي كافة مستويات الأفراد وبمقدورهم استخدامها، هناك من الأفراد والمجموعات من نذر نفسه باستخدامها في الفساد والإفساد ونشر الأكاذيب وافتعال الأزمات وإثارة الفتن السياسية والاجتماعية على مستوى العالم العربي والإسلامي، لقد شكلت هذه الأدوات المُسهِّلة لعملية التواصل البيني بين الأفراد في الفضاء الإلكتروني العالمي العامل الأبرز في صناعة مفاهيم الأجيال الحالية وقد وُظفت بشكل كبير في إثارة النزاعات في الشرق العربي والإسلامي، فالثورات التي عصفت بالشرق العربي والعالم الإسلامي لم تخل من أيدي وأجندات غربية بتحريكها رغم وجود الاحتقانات والأسباب الداخلية المتراكمة، فقد اُستُغلت أدوات التواصل الاجتماعي في تلك الثورات لتحفيز الإغرار على ركوب موجة الانفلات والخروج على قيم المجتمعات وعادتها السائدة، ثم ذهبت لتدفع بإحداث الفرقة في المجتمعات الشرقية وقد شغلت الأفراد بوازع الصراع فيما بينهم لتحقيق المكاسب الذاتية والآنية على حساب السلم الأمني والاجتماعي لبلدان منطقة الشرق الأوسط، صحيح أن مستقبل الأجيال الضبابي بسبب غياب المشروع العربي النهضوي المُتكامل قد أوصل البلدان في الشرق الأوسط إلى حالة الفراغ الاستراتيجي والتأخر في بناء اقتصاداتها، ومع ذلك تبقى موجة الثورات المُباغتة التي ضربت الشرق مازالت حاضرة ومن ابرز أدواتها قنوات التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني المفتوح والذي تسعى الأجندة الدولية المُتربصة لما تبقى من استقرار الأمة لاستغلاله في إثارة النزاعات والفتن وصولاً إلى زعزعة النظم، ومن ابرز أساليبها السعي للتشهير بكل ما هو نافع وصادق ومن شأنه العطاء لمجتمعه وأمته سواء كان ذلك على مستوى أشخاص أو على مستوى أفكار أو على مستوى مبادرات جماعية هادفة لخدمة الوضع الاجتماعي والسلم الأهلي بشكل عام، حيث تسعى بعض الأكاديميات والمراكز الغربية المُتخصّصة فيما يُعرف بتنمية المواهب الشبابية اليوم إلى استغلال وتجنيد بعض الأفراد ممن لديهم القابلية وباختلاف أعمارهم ونِحلهم لصالح أجنداتها العابرة في البلدان العربية والإسلامية وذلك لزعزعة السلم الأهلي داخل بلدانهم، وطبعًا بحكم طبيعة تفاوت التكوينات الاجتماعية بين بلد عربي وآخر فإنه في بعض البلدان العربية ذات الطبيعة الديمغرافية المركبة تكون الأرضية أكثر خصوبة لتآمر بعض تلك الأنفس وبدافع المنفعة الشخصية وما سيتحقق لها من امتيازات وعلى حساب السلم الأهلي والاجتماعي لأوطانها،  وهذه الأنماط من الأشخاص وبحكم أمانة المسؤولية المُعطاة لها يفترض فيها ابتداءً عمق المصداقية التامة وحس المسؤولية الكُبرى والوعي الكافي لكل ما يُدار في الخفاء للبلدان العربية والإسلامية في هذه المرحلة، والحقيقة المُرة ان هذا النمط من الشخوص موجود ومتوارٍ داخل الكثير من الأجهزة ولديهم من القدرة على إبراز صفات مُنافية تمامًا لما يُستبطن في داخل نفوسهم أمام صانع القرار، والأخطر في ذلك أن صارت ظاهرتهم هي الأكثر سيطرة على مفاهيم المُجتمع وإدارات الدولة وصاروا هم أكثر سطوةً ونفوذا على تحريك أمورها، فتفاعل الظاهرة السياسية وكما هو معروف في علم السياسة لا يُوْلد ويُدار فقط بجانبه الرسمي، وتلك المجموعات البشرية المُركبة والمتلونة أو الظاهرة السياسية الملونة هي على أتم الاستعداد للتحول من مسلك إلى آخر، ففي حقبة الستينيات والسبعينيات صبغوا أنفسهم بالصِبغة الليبرالية وفي الثمانينيات والتسعينيات صبغوا أنفسهم بالصبغة الدينية، واليوم هم يتوارون ويبتعدون لتبدو عليهم مؤشرات الميل نحو دولة إقليمية لخدمة توجههم، كما ان لهؤلاء المُتلونة من ذاكرة السوء الموّرثة وأساليب التغيير في مفاهيم من يُعايشون من باقي الأشخاص السُّم الكثير، فهم كظاهرة سياسية صُناع بامتياز يحافظون على حس الترابط الخفي فيما بينهم ويسعون دومًا للتغطية على أساليب بعضهم البعض والتآمر على الدول من داخل أجهزتها ولحساب مصالحهم المرتبطة بالأجندات الدولية الكُبرى ومؤسستها المتخصصة في إشعال الفوضى في المنطقة العربية وباقي الأمم والشعوب، فكفى الله البلدان العربية هذا النمط من الأفراد الذين يعيشون في أوساط الناس ويُظهرون عكس ما يُبطنون. ان إشكالية وخطورة الظواهر السياسية والاجتماعية المُرّكبة والتي سعت دول الاستعمار الغربي القديم لزرعها في أوساط البلدان العربية التي وقعت عليها الانتدابات أو الاحتلالات المباشرة تكمن في كون تلك الظواهر لا تعبث إلا في مثل تلك المتغيرات الدولية الخِطرة ودونما ولاء حقيقي لهذه الأمة ولأراضيها وأمنها القومي، وهذا النمط من الشخصيات والأفراد لا يتورعون عن عرض خدماتهم في كل متغير لمن يدفع أكثر وبما يُحقق الزيادة في رصيد مكاسبهم الشخصية التي ستتحقق من وراء كل تحول، وضالتهم في ذلك من يدفع أكثر وإن تعارض ذلك مع امن البلدان واستقرارها فبيع البلدان ومكتسباتها هو ديدنهم وهم لا مصداقية لهم وإن أبدوا في وقت الرخاء أغلظ الأيمان بالصدق والثبات، لقد عملت الصهيونية العالمية على اختراق البلدان العربية بشتى أنواع الطرق وباختلاف خصوصية كل بلد عن غيره من الداخل فرّكبت وشكّلت مظاهر مُتداخلة من الظواهر السياسية المُتراكمة والقابلة للتحول بحسب متطلبات المتغيرات الدولية بين حقبة زمنية وأخرى، بحيث ان تصبح تلك التركيبات الاجتماعية والسياسية قابلة للتحول والانقلاب على النظم ومن داخل النظم وإدارتها نفسها، وهذه المجموعات لا تنتهج ثورات مُعلنة وظاهرة وانما ينقلبون على الدول من داخلها سعيًا لتحقيق مُتطلبات محرك النظام العالمي وما يتبناه، ومن خلالها يتم تحقيق مكاسب التحول من متغير إلى آخر دولي، ولفهم حقيقة العوامل الداخلية المؤدية إلى نخر البلدان العربية من الداخل لا بد من الرجوع إلى الخطوات الأولى المُمنهجة التي سعت الدول المُستعمرة بها لتغيير الواقع السياسي والاجتماعي لكل بلد عربي، ثم تشخيص أدواته في كل قُطر ومن ثم الوقوف على طبيعة أو سيكولوجية العنصر البشري الذي تبنته لتمرير متطلبات التغيير في البنية العربية وهويتها مع ملاحظة الاختلاف في استخدام الأدوات بين بلد عربي وآخر وبحسب حاجة المُعطيات السياسية الداخلية لكل بلد عربي عن غيره، بعد ذلك ستتضح أكثر مأرب الدفوع السياسة الغربية الموجهة لمستقبل البلدان العربية مع اختلاف آلياتها بين بلد عربي وآخر، ان الصهيونية العالمية تسعى بكل السُبل لإذلال العُنصر العربي ومحاولة تشويه صورته البِكر والمنحدرة من أصول البادية والريف وهي تُفضل وتدفع باستمرار وببُطء إلى تغيير طبيعة الإدارة والسلطة في البلدان العربية إلى مستوى العنصر المُنحدر من غير تلك الأصول ومن ينظر لخريطة العالم العربي اليوم تحديدًا سيجد الكثير من المفارقات التي أصبحت واضحة في هذا الجانب وخصوصًا بعد ان ضربت موجة الربيع العربي المنطقة العربية وهزت الكثير من ثوابتها وأبرزت الكثير من تلك التناقضات والتشويهات التي أحدثها الاستعمار في المنطقة العربية، فالأصوات والعناصر التي كانت بالأمس طائعةً ومُنقادة للنظم ومستفيدة من عطاءاتها بدت اليوم تلمس متطلبات التحول العالمي وسعيه لأضعاف النظم والضغط عليها وعلى ضوء هذه المعادلة المُستجدة فإنها تسعى بكل ما أُوتيت من إمكانات للملمة كيانها وعلى أساس تفضيل منشأ عنصرها الأول في قبول الانتماء وإعطاء الفُرص والامتيازات الإدارية والمالية، وإذا أردنا اليوم فهم الكثير من غموض الحقائق السياسية المُتحركة في المنطقة العربية وتشخيص إشكاليات التشوهات التي أُحدثت فيها في الخمسين سنة الماضية تقريبًا وعلى مستوى بنياتها الاجتماعية والسياسية فعلينا بالضرورة الإطلال على قرار الجامعة العربية الصادر في 30 مارس 1964م في دورتها المنعقدة الحادية والأربعين حيث كانت الأمة العربية وجامعتها في حال غير حالها اليوم وقد شخصت ذلك الزحف السياسي المقصود من الهجرات من الدول غير العربية المُطلة على الضفاف والجغرافيا العربية حيث جاء في قرار الجامعة ذاك يومها من الخشية والتحسب ما نصه: (ان المجلس قد بحث ببالغ الاهتمام موضوع الهجرات الأجنبية إلى إمارات الخليج العربي وما تشكله من خطر على هذه المنطقة العربية)، وعلى المتتبع العربي الحصيف ان يتوقف جيدًا على فقرة الدول الأجنبية، وتحديدًا على نص وما تُشكله من خطر على هذه المنطقة العربية ثم عليه ان يبحث بحسه ووعيه السياسي لفرز وتشخيص تلك الأخطار المُشار لها في ذلك البيان وهو جوهر ما هو حاصل اليوم من تلوّن بعض الأفراد وارتداد بعضها على سلطة القرار وشرعيتها وذلك انسياقًا منها مع سيناريو رؤية التحولات الغربية والدولية ودفوعها لمستقبل المنطقة العربية. 

 

Hassanalaswad@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news