العدد : ١٤٦٤٢ - الأربعاء ٢٥ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤٢ - الأربعاء ٢٥ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ شعبان ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة: وغادرَ كاتبٌ آخر انتحاراً!

بقلم: عبدالحميدالقائد

السبت ٠٧ أبريل ٢٠١٨ - 01:30

أن تضع حبلاً حولَ رقبتكَ لتعانق الخريف

صاعداً الى الموتِ تاركاً اسطورة طائر الفينيق داخلكَ بلا أجنحةٍ

يعني أن جميع المصابيحَ قد انطفأت فيكَ

وكأن روحك ما عاد لها قرينٌ او حبيبٌ على الأرضْ

وهل تبقى شيءٌ في الروحٍ وأنت تغادرُ مختاراً

لتنقذ نفسك من اللهب اليومي الممتد من بين أصابع رجليكَ

ليصل حتى إلى عيونِ الصقر في رأسك

السؤال: لماذا الكتّاب ينتحرون ربما أكثر من غيرهم، هل بسبب شفافيتهم وحساسيتهم المفرطة تجاه الأشياء، هل هو تضخم إحساس الكرامة والعزة لديهم، أم لأنهم ينظرون الى الأمور بنظرة مثالية ويحلمون باليوتوبيا التي لن توجد أبداً. الحقيقة المرة أن المبدعين في وطننا العربي مشرودون بالمعنى المجازي، هم يصنعون ثقافة الأوطان وثقافة الشعوب، وفي النهاية تطحنهم الشوارع والأحلام، هم مهشمون مع الأسف من السلطات ومن الشعوب. فمن يعشقون الثقافة قليلون، هم النخبة، من الذين ما زالوا يرون الضوء جهة، والوردة فردوسا، والمطر رؤيا. الكتّاب وحيدون، ويزدادون وحدةً، وخاصة في وقتنا الحاضر، حيث طغت وسائل التواصل الاجتماعي على كل شيء، ما عاد الناس كما كانوا، ما عادوا يشعرون بمن بينهم من الشعراء والكتَاب الذين يحترقون من أجلهم، ويحلمون بدلاً عنهم. فمنذ أيام قرر الكاتب والمدوّن التونسي نضال الغريبي البالغ من العمر 32 سنة أن يضع حداً لوجوده شنقاً، يغادر العذاب الذي كان أكبر من قامته. هذا الشاب المبدع وجد نفسه وحيداً تلفظه حتى الشوارع، حتى الحلم بدأ يعاكسه، ماتت الأحلام في نومه.  تخرّج منذ سنوات، شاعر وكاتب مبدع، مصوّر محترف، ومدوّن نشط، لكن لم تسعفه كل تلك المواهب، وأُغلقت او أغلقوا أمامه الأبواب، تهميش واقصاء قاتل، تسرب من بين أصابعه طعم الحياة، غادرت الشمس قمصانه، فوجد القبر متكئاً مريحاً له بعيداً عن ظلم الحياة والوطن. انه الخريف يطلُّ علينا مبكراً ليغوينا بعيداً عن الجحيم اليومي. نشر قبيل رحيله رسالة وداع مؤثرة جداً تصف حالة هذا الشاعر الذي أحس بـأن في الموت راحة، وكان حسب رأيي واهماً، فلا شيء يستحق أن يرحل الإنسان من أجله الى عالم غامض.  جاء في الرسالة التي خطها المبدع (وليس الهالك) نضال الغريبي:

«أنا الآن لا شيء، تفصلني خطوة عن اللاشيء، أو فلنقل قفزة، غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر، غريب أمر الحقيقة ما أبخس ثمنها لكننا لا نرى، نملأ أبصارنا وبصائرنا دومًا بالأوهام، حتى تصير الحقيقة تفاصيل لا نراها .. نحن لا نرى غير ما نريد رؤيته، لا نرى من الأخضر غير يابسه حتّى تختلط علينا الألوان، ومفاهيمها، شأننا شأن أحبّتي، الذين رغم تواضعي يظنّون أنّني عيسى، فإذا ما صدّقوا ما ادّعوا، اختلط عليهم الأمر، فراحوا لا يفرقون بين القلب والمعصم، وصارت أوتادهم تنهمل على صدري كسهام الوغى.غريب أمرهم، بل غريب أمركم جميعًا اذ تظنُّون بموتي أنّني أناني، لكنني في الحقيقة أبعد ما يمكن عن الأنانية، دققوا في التفاصيل، لو كنت كما تدّعون لكنت التهمت ما استطعت من أدوية أمي المريضة ورحلت، لكنني أعلم على يقين أنّ عائلتي المسكينة ستنصرف إلى مراسم دفني وقبول التعازي، وسينسون بالتأكيد أن يشتروا لها دواء بدل الذي دفن في معدتي، لكنني لم أفعل، لو كنت بالأنانية التي تدّعون، لكنت رميت بنفسي أمام سيارة على عجل، أو من فوق بناية عالية، لكن، حرصا مني ألا تتلف أعضائي، التي أوصي بالتبرع بما صلح منها، لم أفعل. سادتي، أحبّتي، عائلتي المضيّقة والموسّعة، أوصيكم بأنفسكم خيرا، وبأولادكم حبّا .. أحبّوهم لأنفسهم، لا تحبّوهم لتواصل أنفسكم فيهم، اختاروا لهم من الأسماء أعظمها وأرقاها، وكونوا شديدي الحرص في ذلك .. فالمرء سادتي رهين لاسمه، شأني، أمضيت عقودي الثلاثة بين نضال وضلالة وغربة .. علّموا أطفالكم أنّ الحبّ ليس بحرام، وأنّ الفنّ ليس بميوعة، لا تستثمروا من أجلهم، بل استثمروا فيهم، علموهم حب الموسيقى والكتب. السّاعة الآن الرابعة بعد الظهر، من السابع والعشرين من مارس سبعة عشر وألفين، أفارقكم عن سن تناهز أسبوعين وأربعة أشهر واثنين وثلاثين سنة..أحبكم جميعا من دون استثناء، وأخص بالذكر هيرا، تلك العشرينية إيناس، تلك البريئة التي شيطنتها الحياة وحبي. آسف من الجميع».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news