العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

الثقافي

ســـرديــــات: الذاكرة.. التاريخ.. النسيان.. أنا أقدر إذن أنا موجود!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٧ أبريل ٢٠١٨ - 01:30

في أواخر سني حياته ألف المفكر والفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور(1913-2005) اثنين من أهم المؤلفات في مساراته الفكرية هما ثلاثيته الفكرية «الزمان والسرد» و«الذاكرة، التاريخ، النسيان». لقد انتظم مشروعه الفكريّ الذي اشتغل فيه ما يزيد على سبعة عقود في أمثولة فلسفيّة كبرى أوجدها بول ريكور هي «أنا أقدر إذن أنا موجود»؛ وهي أمثولة فكرية موازية للكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر إذن أنا موجود»، وهو الكوجيتو الذي أسّس لمسارات التفكير العقلانيّ في أوروبا الحديثة منذ عصر الأنوار أو التنوير وفقًا لاختلاف السياقات. وسنجد كوجيتو الإنسان القادر عند بول ريكور في كتبه الكثيرة مثل «التناهي والعقاب» و«فرويد والفلسفة» و«صراع التأويلات» و«الاستعارة الحية» و«مدرسة الفينومينولوجيا» و«محاضرات في الآيديولوجيا واليوتوبيا» و«الذات عينها كآخر» و«مسار التعرف» و«العادل».

يمثل كتاب بول ريكور «الذاكرة، التاريخ، النسيان» الكتاب الذي تبلورت فيه فلسفة بول ريكور الناظمة في الكوجيتو الذي ابتكره: كوجيتو الإنسان القادر، ويُعد هذا الكتاب آخر أهم كتاب فلسفيّ صدر في القرن العشرين، وقد أصدره بول ريكور قبيل وفاته بعامين فقط! وبول ريكور لا يدعو إلى النسيان؛ فالنسيان صعب ومستحيل ولكنه يدعو إلى الاحتفاء بالذاكرة السعيدة التي تستطيع عن طريق الغفران أن تتعايش وأن تقدر على التعايش مع الآخر.

كانت حياة بول ريكور سلسلة من المآسي المتلاحقة من فقده أمه بعد أشهر من مولده إلى فقده والده في الحرب العالمية الأولى ثم فقده أخته الوحيدة ثم وقوعه في الأسر النازي بعد انهيار الجيش الفرنسيّ عام 1940 ثم فقدانه ابنه الوحيد. ومع ذلك استطاع تجاوز هذه المحن والانكسارات والمآسي العميقة بروعة الإنجاز والتحقّق؛ فقد حصل بعد سنوات من تحرّره من الأسر النازيّ على درجة الدكتوراه في الفلسفة وتواصلت بعدها أطاريحه المهمة جدًا. ورغم اكتساح تيار البنيوية فرنسا أواخر الستينيات ورغبة بعض المفكرين ومنهم كلود ليفي ستراوس أن يجروا بول ريكور إلى مناطق اشتغالاتهم البنيوية إلا أنَّ بول ريكور ظلَّ محافظًا على استقلاليته الفكرية، واضطر في سنوات من حياته إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية كي يبقى محافظًا على استقلاليته الفكرية.

 في ثلاثيته «الزمان والسرد» ركز بول ريكور على أنطولوجيا المقدرة من خلال الحبكة السردية. فلدينا زمانان، الزمان الكونيّ المادي المتوقف على الحركة، وهناك الزمان المعاش الذي لا يدركه الإنسان ويحياه إلا عن طريق السرد، والسرد يستدعي تنظيم الحياة في حبكة لها بداياتها وتقلباتها ولها تواصلها. والذات هنا كما يقول مترجم الكتاب جورج زيناتي ليست رهينة بنى خارجية بل هي قادرة على سرد حياة قصتها قادرة على استخدام الزمان وتدوينه. الإنسان إذن يمتلك هوية سردية، ويدخل المفكر هنا في صميم النقد الأدبي في تعامله مع ثلاثة نماذج للرواية الغربيّة في القرن العشرين، النموذج الأول من انجلترا مع رواية السيدة دالاواي لفرجينيا وولف، ومن ألمانيا «الجبل السحري» لتوماس مان، أمّا النموذج الثالث فكان من رواية الفرنسي مارسيل بروست في روايته الشهيرة «البحث عن الزمن المفقود».

 مجمل أطروحة بول ريكور هي إني أستطيع أن أتذكر، الذات قادرة على التذكر، الإنسان قادر على التذكر وكذلك على النسيان وقبل ذلك كله إنه قادر على الغفران من دون حساب، لكن من غير أن ينسى! وهو كوجيتو يوضع بالفعل في تقابل مع كوجيتو اليقين الديكارتي أنا أفكر إذن أنا موجود! 

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد  كلية الآداب - جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news