العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤٠ - الاثنين ٢٣ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ شعبان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (19)

الجمعة ٠٦ أبريل ٢٠١٨ - 12:01

بقلم دكتور / غريب جمعة

خواطر تفيض بالحكمة

يقول الإمام:

«كنت أتجول في بعض الغابات حول قرية تبعد عن برلين نحو ساعة بالقطار تسمى «فيزودرف».

وذلك ترويحًا للخاطر وإيثارًا لها في بعض الأحيان على مشاهد الحضارة وزخارفها ولا سيما في أيام رمضان.

وأذكر أنني كنت ذات يوم أجلس على مقعد في أحد المنازه العامة وفي يدي صحيفة أسجل بها ما يسنح من خواطر أوحت إلي بها تجارب الحياة وصروف الأيام ومعاشرة الناس»

ونحن نختار بعض هذه الخواطر ولا يمكن أن نسجلها كلها وفيما نختاره الفائدة والنفع وإقناع العقل وإمتاع العاطفة بإذن الله. - إذا وثقت بعرى التوكل على الله فلست في حاجة أن تمر إلى الحق على جسر من الباطل.

- لا تثق في نفسك فيما تدعي من الاخلاص لأمتك حتى يلذ لك أن تصلح الخلل في نظامهم وهم لا يشعرون.

- اربط نفسك باعتقادك أنك تعمل لمن يشب أو ينشأ بعد موتك حتى لا يكون في صدرك حرج أن تكون بضاعتك بين أهل عصرك كاسدة.

- يكفيك فيما تجتني من ثمرة العلم الصحيح أن ترفع همتك عما فتن به الجاهلون من زهرة هذه الحياة.

- ألا ترى الماء الذي تلقى في مجاريه الأقذار كيف يتجهم منظره ويخبث طعمه فاطرد عن قلبك خواطر السوء فإنه المنبع الذي تصدر عنه أعمالك الظاهرة.

- لو فكرت في لسانك وهو يعرض لإطراء نفسك، لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيصة لا يحتاج إثباتًا إلى بينة.

- لا تنقل حديث الذي يفضي به إليك عن ثقة أمنك وحسن عقيدة في أمانتك ويمكنك متى كان يرمى إلى غاية سيئة أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله فتحفظ للمروءة عهدها وتقضي للمصلحة العامة حقها.

- إذا ركبت في السياسة مركب الشعر، فقلت ما لا تفعل أو هِمْتَ في واد لا تعرج فيه على حق، فانفض ثوبك من غبارها فإنه ليس بالغبار الذي يصيبك في سبيل الله.

ولا عجب أن تفيض هذه الحكم على لسان الإمام الخضر فإن الإمام الآلوسي –ولله دره- يقول بعد تفسير قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ» (المائدة: 67).

هذا بيان أن اليهود والنصارى لو اتبعوا أحكام التوراة والإنجيل والقرآن المصدق لها لفُتحت أبواب الرزق من العالم الروحاني عليهم فرزقوا العلوم الإلهية والمعارف الربانية النورانية والحقائق العقلانية. ومن العالم السفلي العلوم الطبيعية والإدراكات الحسية وبالأول يعرفون الله تعالى وبالثاني يعرفون مُلْك الله. ثم يعقب قائلاً:

«هذا في حق من عدَّد سيئاتهم من أهل الكتاب إذا أقاموا مجرد حدود التوراة والانجيل فما ظنك بالعارف السالك إذا قمع هوى النفس وانكمش من هذا العالم إلى معالم القدس معتصما بحبل الله تعالى وسنة حبيبه صلى الله عليه وسلم فإنه تعالى يفيض على قلبه سجال فضائله وسحائب بركاته فتكمن فيه كمون الأمطار في الأرض فتظهر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» (بتصرف).

وهكذا كان شيخنا –ولا نزكيه على الله- 

العودة إلى دمشق:

كانت الحرب العالمية الأولى قد أوشكت على نهايتها وكانت نذر زوال الدولة العثمانية قد بدت واضحة للعيان، ويضاف إلى ذلك أن ألمانيا منيت بالهزيمة من الحلفاء فعزم الشيخ على مغادرة برلين ولكن إلى دمشق رأسا في هذه المرة وكان ذلك عام 1337هـ وقد عاد مع مجموعة من المجاهدين، حيث أبحرت بهم الباخرة من ميناء هامبورج في ألمانيا وقضوا عشرين يومًا في البحر حتى وصلت الباخرة إلى بيروت.

وقد نظم بهذه المناسبة قصيدة بعنوان:

«من برلين إلى دمشق»

وهي تعتبر من أروع قصائده وأبدعها وأجملها حيث وصف فيها ما لاقاه من مخاطر السفر في البحر وما يلاقيه المسافر بحرًا من أهوال تهدد حياته بين لحظة وأخرى ووصف فيها الإنجليز وجفاء طباعهم وبرودهم وتجهم وجوههم، وتذكر طارق بن زياد عند مروره بجبل طارق وأرض الأندلس وكيف ضاعت بسبب الانغماس في متاع الدنيا وملاذها ثم شعر بالحزن والأسى عند مروره باستانبول وقد هوت بعد الهزيمة واستسلام الدولة العثمانية للحلفاء ثم رأى العلم الفرنسي مرفوعًا على طرابلس الشام فقال بمرارة (وذاك علامة الوطن المهان) وإليك الأبيات المختارة من تلك القصيدة الرائعة، حيث يقول الإمام الشاعر:

سئمت وما سئمت سوى مقامي   بدار لا يروج بها بياني

فأزمعت الرحيل وفَرط شوقي     إلى بَرَدى تحكم في عناني

نهضت إلى السفينة في رفاق سلوت بهم نوب الزمان

وقضَّينا بها عشرين يومًا         فلم نلج البلاد ولا المواني

تقلبها العواصف كيف شاءت وتقذفها بأمواج سمان

رست بمياه لندن وهي قصوى    فلا بشرًا نحس ولا المغاني1

وأبصرنا جفاء في وجوه        مقطبةٍ وأحداقٍ رَوَاني

أرُبَّان السفينة قف مليًا نؤبن فاتحًا ثبْت الجَنان2

كأن رياح هذا الصبح مرت بأرواح تنعَّم في الجِنان3

أرى جبلاً تسنمه قديمًا  دعاة الحق والسنن الحسان

وساسوا أرض أندلس بعدل   كما صنعوا بأرض القيروان

وما انقلبت إلى الإسبان إلا على أيدي المزاهر والقيان

عبرنا الدردنيل ضَحىً وجئنا   فروق وقد تهاوت في هوان4

يميس بها الحلفاء سَكْرى   وإن لم يحتسوا بنت الدنان5

بَرِحْتُ فروق مأسوفًا وهذي   رُبى إزمير حالكة الدِّجان6

يجوس خلالها اليونان مَرحى   مِراح الفُرس يوم المهرجان7

فيا نكدى يسوس الخصم أمري   وكنت أذقته حَرَّ الطعان

قصدت إلى الشآم ولست أدري  أيقسو أم يلين بها زماني

وصلت إلى طرابلسٍ وحيدًا أعاني بالتفكر ما أعاني8

يَشينُ قبابها علم غريب   وذاك علامة الوطن المهان

هلم حقيبتي لأحط رحلي  فنفح زهر جِلَّق في تداني9

وللأقدار في الدنيا صروف  طويت على الحديث بها لساني10

 (وإلى حلقة قادمة إن شاء الله)

1 قصوى: بعيدة. المغاني جمع مغنى وهو المنزل.

2 الفاتح: طارق بن زياد. الجنان: القلب.

3 الجِنان: جمع جنة. وهي الحديقة ذات الشجر.

4 الدردنيل: مضيق مائي يصل بحر إيجة ببحر مرمرة، فروق: استانبول.

5 بنت الدنان: الخمر.

6 أزمير: مرفأ في تركيا على بحر إيجة. الدجان جمع الدَّجْن: إلباس الغيم الأرض وأقطار السماء.

7 المراح: التبختر والاختيال.

8 طرابلس: مدينة ساحلية في لبنان.

9 جلق: دمشق.

10 الصروف جمع الصرف: حدثان الدهر أي نوائبه وحوادثه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news