العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

خصائص الثقافة الشعبية القرآنية

الجمعة ٠٦ أبريل ٢٠١٨ - 12:00

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

تتسم الثقافة الشعبية القرآنية بعدة خصائص نوجزها فيما يلي:

أولاً: أنها ثقافة تحمل مضمونًا وسلوكًا من دون أن تمر على العقل ومن دون صقل هذا العقل وإعداده لكي يكون مرجعية حاكمة للصواب والخطأ في هذه الثقافة. وقد حرص رجال الدين والحكام على مر العصور على أن يكونوا هم المرجعية في الثقافة الدينية حتى يغيروا فيها وحتى تكون هذه الثقافة جزءًا من الريادة والقيادة السلطوية المستندة إلى سلطة ولي الأمر كما يفسرها رجال الدين لتكريس السيطرة السياسية وإسناد هذه السيطرة إلى الدين.

ثانيًا: أن هذه الثقافة استقرت في العقل الجمعي وصار العمل على تحديها ضربًا من المجازفة يستعدى المجتمع كله فيسارع إلى تكفير كل من يطالب بفرز مصادر هذه الثقافة ولذلك شاع في الكتابات العربية أن باب الاجتهاد في الدين قد أغلق وردد الناس هذه العبارة من دون فهم، ولكن المستنيرين من رجال الدين انتقدوا هذه المقولة ولكن في مجالسهم العلمية، ولم يجرؤ أحد على المجاهرة بغير ذلك وإلا تعرض لهجمة اجتماعية كاسحة أو لانتقاد المجتمع أو تعريض هيبة رجال الدين المستنيرين لنقد زملائهم.

 والتاريخ الإسلامي حافل بذلك وأبرز الأمثلة ما حدث مع بعض الأئمة الكبار في عصور أقرب إلى عصر النبوة مثل الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن وما لقيه الليث بن سعد فقيه مصر وإمامها الأكبر الذي قال فيه الإمام الشافعي عندما وصل إلى مصر: رحم الله الليث فقد ضيعه تلاميذه وحنق عليه معاصروه. ومن المعلوم أنه استقرت في الأقوال الشعبية ما يدل على أن العامة لا يجب أن تخوض في الدين وإنما تطلب النصيحة من رجال الدين. وقد أساء بعض رجال الدين في بعض العصور تفسير الآية الكريمة «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» فجاء هذا التفسير يكرس هذه المقولات فإذا غاب العلم في الدين عند العامة صار طلب الفتوى فريضة دينية وحيث إن العلم بالدين غائب بالضرورة فإن مكانة رجال الدين تصبح مكانة رفيعة ليس فقط في المسائل الدينية ولكن في الحياة العامة بأسرها وهذا هو الجانب الذي نفذت منه التيارات الإسلامية إلى قضايا السلطة وأدت إلى الصدام بين السلطة السياسية وبينها، ولا يمكن تبين الخطأ والصواب إلا بفهم جذور العلاقة بين السلطة ورجال الدين وتوظيف الدين لتبرير تصرفات السلطة وهذا أمر مستقر في التاريخ الإسلامي ولم يكن العز بن عبدالسلام إلا حالة فريدة في وقت انغمس فيه رجال الدين في نفاق الحاكم المملوك في مصر.

ثالثا: أن العامة لا تميز بين مصادر الثقافة الدينية بل وتخلط بينها فلا تميز بين النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأقوال المأثورة والتي يتم تناقلها بين الناس ولا يهم العامة تحري مصدر هذه المقولات، ولذلك تفسر هذه الظاهرة انتفاض العامة ورجال الدين ضد من يطالب بتنقية مصادر الثقافة الدينية ويتهم من يقوم بذلك بالكفر والالحاد والخروج من الملة، ويحدث في مصر من حين إلى آخر حالات تعبر عن هذا النموذج ولكنها لم تخضع للتحليل العلمي وكان السائد هو أن يتقدم أحد المحامين إلى النائب العام ضد من يثير هذه القضية وخاصة من غير رجال الدين ويتهمهم بازدراء الأديان ويكون مصيره السجن لأن الرأي العام يسبق القضاء ويملي عليه الحكم. هذه القضايا التبست على جميع طوائف المجتمع وخاصة عندما يكون المجتمع منقسما وفي حالة هشة فتصبح المعركة بين كل الأطراف الدينية والعلمانية والليبرالية والذين يحملون الغيرة على الدين من دون فهم كما الذين يكيدون لهذا الدين عن عمد وتخطيط. فيترتب على ذلك أن معاقبة المتهم تلقى الترحيب من البعض بينما يتباكى البعض الآخر على حرية الرأي مع ملاحظة أن الحالة المصرية تتسم بموقف معين من حرية الرأي السياسي أكثر من حرية الرأي الديني فيأتي العفو عن المتهم قبل أن يقضي مدة العقوبة أمرًا مستهجنا من البعض كما كان سجنه وإدانته مستهجنًا من البعض الآخر.

ويتفرع على ذلك أن عدم التمييز بين مصادر الثقافة الدينية والأقوال السيارة اختلاف درجة القدسية لكل قول، فلا شك أن النص القرآني أقوى من الحديث النبوي وكلاهما أكثر قدسية من الحكم الشعبية والأقوال المأثورة، وقد شهدنا جدلاً طويلاً حول بعض هذه الأقوال مثل (كما تكونوا يولّ عليكم، واتقِ شر من أحسنت إليه)، وهذا الجدل كان يمكن حسمه بين المثقفين عن طريق تبين المصدر الصحيح وخاصة مع وسائل المعلومات الحديثة ولكن الجهل والمواقف المسبقة والحروب الفكرية هي التي تتخذ هذه الأمثلة وقودًا في هذه المعركة.

رابعًا: التعميم وعدم الدقة والتمحيص واصطياد المعاني وتطويعها في خدمة مواقف مسبقة ويساعد على ذلك الجهل بالقراءة والكتابة، ما أدى إلى استحالة الرجوع إلى المصادر وأدى في نفس الوقت إلى ثقافة التناقل عن طريق الروايات الشفوية وهو طريق محفوف بالمخاطر تكون ضحيته الحقائق في نهاية المطاف.

تلك هي خصائص الثقافة الشعبية القرآنية ولا يقلل من خطورة هذه الخصائص الحفظ التام للقرآن الكريم على خلفية ثقافية خاوية أو منحرفة والهدف من عرض هذه الخصائص يتجاوز الرغبة في تحليلها إلى العزم الأكيد على معالجتها لأن العامة هم الأكثرية في الدول العربية والإسلامية وفهمهم الدقيق هو مقصدنا ومطلبنا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news