العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الـتـوجـيـهـات الـعـقـلـيـة غـيـر الـمـبـاشـرة فـــــي الـــقــــــرآن الـكـريـــــــم (14)

الجمعة ٠٦ أبريل ٢٠١٨ - 11:53

 بقلم: د. محمد عطا مدني

تحدثنا في المقالات السابقة عن أساليب التربية العقلية التي جاءت بطريقة مباشرة في القرآن الكريم، مستخدمة لفظ العقل ومرادفاته القلب واللب والفؤاد والحلم والنهى والحجر، ثم تطرقنا إلى أساليب التربية العقلية غير المباشرة في القرآن الكريم، والتي اتجهت إلى وجهتين: الوجهة الأولى تستخدم أساليب تعتمد على البرهان وتسلسل الحقائق والحوار الطويل أو القصير الذي يصل في النهاية إلى لب الحقيقة ويثبت دعائمها في عقل الانسان وقلبه، وهذه الوجهة تشتمل على أساليب البرهان العقلي والحوار والاستجواب والمحاكمة العقلية والتكرار. أما الوجهة الثانية فتستخدم الخيال أو الرمز، لتقريب الحقائق إلى ذهن الانسان، ومنها الأساليب الرمزية والصورية والقصصية. 

وفي الوجهة الأولى تحدثنا عن أسلوب البرهان العقلي، وسوف نستعرض الآن أسلوب الحوار العقلي.

تعتبر أساليب الحوار العقلي سمة من السمات البارزة في القرآن الكريم، فقد اعتمدت الدعوة السماوية منذ بداياتها على الحوار، ولعلها أرادت أن تعلم البشرية الطريقة الوحيدة الممكنة للتفاهم والتعاون والتعايش السلمي لإعمار الأرض، بعيدا عن الجدل الضار والمماحكات السياسية، والتناقض والعنف والإرهاب، وحسنت هي الدول التي طرحت هذه الطريقة المستقاة من القرآن الكريم للتداول الشعبي للعمل على استتباب الأمن الوطني والسلام الشعبي لتوجيه الجهود نحو الإعمار والبناء والتقدم والتطور. فالحوار الذي ارتضته العناية الإلهية قاعدة لحركة الحياة، ولسلامة العقل والقلب والنفس، وهو جوهر المسيرة البشرية. 

ومن أهم شروط الحوار، توافر العقل الواعي بحقائق التاريخ وحقائق الأمور، ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

 والحوار في القرآن الكريم قد يكون بين المولى جل وعلا ومخلوقاته الكونية سواء كانت جمادات أو ملائكة أو شياطين، أو بين الله سبحانه وتعالى وبين أنبيائه ورسله، أو بين الله والبشر موجها لهم رسالته التربوية والتوجيهية، أو بين الرسل والأنبياء وأقوامهم، أو بين البشر وأنفسهم، أو ذلك الحوار الداخلي بين المرء ونفسه.

ولعل اتساع قاعدة الحوار القرآني بهذا الشكل يعطينا نحن البشر خبرة حياتية مهمة لتطبيق الحوار بقاعدته الواسعة لنجني أهم المكاسب والتوافقات التي تؤدي بلا شك إلى سلامة المجتمعات وتماسكها.

وأولى لقطات الحوار القرآني كانت بين المولى جل وعلا ومخلوقاته التي أذعنت له من دون نقاش، لأنه خالقها ومبدعها، قال تعالى: (ثمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أو كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فصلت 11-12 ).

ولا شك أن الأمر مع الملائكة يختلف عن المخلوقات الجامدة التي تطبق الأمر بلا جدال، فها هم الملائكة يحاورون الله سبحانه وتعالى عندما أنبأهم بعزمه على خلق بشر على سطح الأرض: (وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة 30).

وها هو إبليس يجادل ربه سبحانه وتعالى عندما أمره أن يسجد لآدم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآَدمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) (الأعراف 11-13).

لقد كان خلق آدم عليه السلام موضوع الحوار الذي جرى بين الله سبحانه وتعالى وملائكته من جهة، وبين الله وإبليس من جهة أخرى، ولعل القصد الإلهي من وراء هذا الحوار المزدوج شيئان، أولهما: عدم التخوف من الحوار والشجاعة في إبداء الرأي وهذه تربية ربانية لم يتوقف عندها الكثير من المفسرين والمحللين، فالله سبحانه وتعالى الخالق المبدع لم تخش مخلوقاته محاورته، والمولى جل وعلا لم يمن عليهم بخلقه لهم ويحرمهم -مقابل ذلك- من مناقشته بل وسعت رحمته ذلك النقاش. وثانيهما: هو بيان أولى خصائص هذا المخلوق (الإنسان)، والذي اجتمعت فيه إيجابية الحوار كما عند الملائكة، وسلبيته عند إبليس، ومن هنا فقد جاء الإنسان يحمل سمتين إحداهما خيرة يعمل فيها عقله، والثانية شريرة يجانب فيها العقل والمنطق، فأصبح تكوينه خليطا بين السمتين، فهو إما أن يسمو إلى مرحلة الملائكة، وإما أن يهبط إلى طبقة الشياطين. 

وهنالك الحوار بين الله سبحانه وتعالى وأنبيائه ومنهم نوح عليه السلام:

(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (هود 45-48).

والحوار الرائع بين إبراهيم أبو الأنبياء جميعا وربه تجلت قدرته:

(وَإِذ قَالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة 260).

ففي حوار نوح مع ربه، يطلب نوحا من ربه أن ينقذ ابنه من الغرق، ويقنعه الله سبحانه وتعالى بأنه عمل غير صالح، ويقتنع نوح لإيمانه القاطع بأن ربه يريد له الخير. وفي حوار أبو الأنبياء مع ربه لقطات رائعة، نتوقف برهة عند سؤال إبراهيم لربه (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تحيِي الْمَوْتَى) لم يخش إبراهيم عليه السلام تعنيف ربه له لطرح هذا السؤال، وهو أبو الأنبياء جميعا، وإنما طرح سؤاله ببساطة شديدة (لأنه يريد أن يعرف)، وتأتي المفاجأة في الرد الإلهي، لا تعنيف، لا غضب، لا ثورة عارمة للتجرؤ على طرح مثل هذا السؤال على رب العزة وخالق الإنسان والأكوان، وإنما تمثل الرد الإلهي في لفظ عجيب، لفظ في غاية الليونة، وبالغ الألفة، ورائع المحبة، وعظيم التعاطف (أولم تؤمن؟) ويأتي الرد سريعا موقنا مؤكدا (بلى، ولكن ليطمئن قلبي)، فيدخل المولى جل وعلا نبيه الكريم في تجربة عملية مشاهدة للعيان بالصوت والصورة والحركة، كي يرى بنفسه كيف يحيي الله سبحانه وتعالى الموتى، فهل نحاول أن نستفيد نحن البشر الاستفادة الكاملة والتطبيق السليم لهذه الدروس الربانية في ساسة مجتمعاتنا وفي تربيتنا البشرية؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news