العدد : ١٤٧٢٣ - الأحد ١٥ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٣ - الأحد ١٥ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

أثر المستجدات التقنية والمجتمعية في الأحكام الشرعية (2)

عرض وتقديم: د. أحمد علي سليمان

الجمعة ٣٠ مارس ٢٠١٨ - 11:31

  يسرنا أن نقدم للقارئ الكريم بعضا من النماذج التطبيقية من رسالة الباحث مصطفى مهدي، على النحو الآتي: النموذج الأول: مدى إمكانية اشتراط الرسمية لصحة الطلاق.. يقصد بالرسمية في الطلاق: إيقاعه بحضرة الموظف المختص بمقتضى عمله في توثيق النكاح والطلاق، وهو المأذون أو القاضي أو موظف الشهر العقاري. وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن الرسمية شرط في صحة الطلاق لمن كان زواجه رسميًّا، وبناء على ذلك قالوا: إن التلفظ بالطلاق في غير حضرة الموظف المختص به لاغٍ، ولا قيمة له، ولا يقع شرعا، إذا كان المطلق قد تزوج بمقتضى وثيقة زواج رسمية. وقد أسسوا دعواهم على قاعدة: «تغير الأحكام بتغير الأزمان» ووجهتهم: أن الزواج قديما كان شفهيًّا؛ أي ينعقد باللفظ فقط من دون حاجة إلى شيء آخر، فكان الطلاق شفهيًّا ملاءمة لذلك، أما اليوم فقد أصبح الزواج رسميًّا، فيستلزم ذلك أن يكون الطلاق رسميًّا موثقًا، على حد زعمهم.

وقد استقرأ الباحث مصطفى مهدي محمد أدلة القائلين بأن الرسمية في الطلاق شرط صحة، ثم ناقشها بما يقدح فيها ويبطلها؛ وقد ظهر أن تلك الأدلة قد بُنيت على أساس باطل، وذلك أنه قد بيَّن عند حديثه عن الزواج العرفي (أي المكتمل الأركان والشروط الشرعية إلا أنه لم يوثق) أن الرسمية في النكاح -في الشريعة وفي القانون المعمول به- للإثبات وليست للإيجاد، كما أبطل استدلالهم بالقاعدة الفقهية المذكورة من وجوه عدة، منها: 

أولا: أن هذه القاعدة لا يصح الاستدلال بها هنا، إذ لا يُعمل بها إلا في الأحكام العملية الظنية؛ أي التي لم يقع إجماع قطعي من العلماء عليها، أو التي استنبطت من دليل ظني من دون أن يتحقق إجماع قطعي عليها، وقد حكى ابن رشد الإجماع على وقوع الطلاق بصريح اللفظ إذا نواه المطلق.

ثانيا: أن قياس النكاح على الطلاق قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما: أن النكاح عقد يفيد حل استمتاع رجل بامرأة، أما الطلاق فهو يؤدي إلى تحريمها عليه، كما أن النكاح لا يصح إلا بشاهدي عدل أو بإعلان عام، ولم يقل أحد من فقهاء المذاهب الأربعة اشتراط الإشهاد أو الإعلان لصحة الطلاق. إضافة إلى أن الزواج ينعقد بتلاقي إرادتين أما الطلاق فيقع بإرادة واحدة. 

ثالثا: أن كون عقود الزواج صارت توثق توثيقا رسميًّا لا يلزم منه أن الطلاق لا يتم إلا رسميًّا، وإنما يلزم منه أن مَن يطلق زوجته ينبغي عليه أن يوثق هذا الطلاق، وبناء على ما سبق فإن قياس الطلاق على الزواج قياس مع الفارق ومن ثم فهو قياس فاسد.

النموذج الثاني: الإفادة من التقنية في تحديد عدة المطلقة الممتدة الطهر

إذا كانت المطلقة من ذوات الأقراء فإن عدتها تنقضي بتربصها ثلاثة قروء، وأما من ارتفع حيضها لعارض، ولم تصر آيسة بعد، فقد فرق الفقهاء بشأنها بين صورتين:

الصورة الأولى: مَن ارتفع حيضها لعارض معلوم كرضاع أو نفاس أو مرض يرجى برؤه، فإنها تنتظر زوال العارض، وعود الدم وإن طال فتعتد بالأقراء، إلا أن تصير من الآيسات، فتعتد بثلاثة أشهر من وقت صيرورتها آيسة.

الصورة الثانية: مَن ارتفع حيضُها لعلة لا تعرف ولم تكن حاملا، فللفقهاء في شأن عدتها أقوال أربعة:

الأول: أنها تتربص حتى يأتيها الحيض فتتم ثلاثة أقراء، أو حتى تدخل في حد الإياس فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر.

القول الثاني: أنها تعتد سنة من يوم الطلاق، تسعة أشهر لبراءة الرحم من الحمل غالبا، ثم ثلاثة عدة الآيسة.

القول الثالث: أنها تتربص أربع سنين (أقصى مدة للحمل)، ثم تعتد ثلاثة أشهر عدة الآيسة.

القول الرابع وهو لابن رشد الحفيد: أن عدتها ثلاثة أشهر فقط.

 وأما عن أثر التقنية هنا، فأثرها بخصوص الصورة الأولى لا يعدو إلا أن يكون وصفا لبعض الأدوية التي تعمل على عودة الحيض ثانية من دون إطالة؛ حتى لا يشق على المعتدة بتطويل العدة عليها بسبب لا من قِبَلِها.

وأما عن الصورة الثانية، فإنه يمكن من خلال التقنية الطبية الحديثة معرفة سبب انقطاع الدم، وهل سببه مرض يرجى برؤه أم لا؟ فإن توصل الأطباء الخبراء إلى أن الدم يمكن أن يعود ثانية من خلال بعض الأدوية أو بمرور بعض الوقت، فإنها تنتظر عودة الدم فتعتد بالأقراء؛ لأنها يقينا من أهلها. وأما إن توصل الأطباء إلى أن انقطاع الدم لمرض لا يرجى برؤه فيحكم بإياسها فتعتد عدة الآيسة ثلاثة أشهر، فعلى خلاف الفقهاء قرر الأطباء أن الإياس قد يحصل مبكرا، وإن كان الغالب حدوثه فيما بين سن الخامسة والأربعين والخامسة والخمسين، ومبنى هذا أن المسألة قائمة على الاجتهاد، فلا وجود لنص صحيح صريح يرجح أحد الآراء، وما قرره الفقهاء إنما هو اجتهاد وفقا لمعطيات عصورهم، أساسه غالب الظن أو الاستقراء والتجربة؛ وما تفيده التقنية اليوم في هذا الصدد قريب من اليقين، فاستلزم ذلك العلم لا الظن. 

وللحديث بقية..

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news