العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

مسالك الشيطان لغواية الإنسان (4)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٣٠ مارس ٢٠١٨ - 11:22

يعمد الشيطان في إغواء الإنسان وخاصة المسلم إلى تزيين القبيح حسنا، وتقبيح الحسن، وهذا مسلك في غاية الخطورة، وهو من الوسائل الخفية التي تخدع كثيرا من الناس حتى يقعوا فيها وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعا، يقول تعالى: «قل هل نُنبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا». الكهف:103-104. فإذا وقع العبد في معصية زيَّنها الشيطان له وحسَّنها، وأوجد لها من أدوات التحسين ما يُشجِّع العاصي على الإصرار على معاودتها، وذلك بإظهار منافعها وإخفاء مغبتها وحسراتها، فتجده يُحسِّن جمع المال والحرص عليه ويُظهِر لصاحبه أنه الحكيم في تصرفه، الناظر لعواقب الأمور، ولا يزال به حتى يوقعه في الشحِّ والغشِّ والخداع، وكل ذلك بتصوير هذه المعاصي على أنها من الذكاء والفطنة والحنكة والعقل، ومن تزيينه القبيح حسنا أن يُزين للأغنياء والوجهاء العبوس في وجه الفقراء تكبرا، حتى لا يطمع فيهم فقير، ولا يُجالسهم الفقراء فتضيع هيبتهم. ومن تزيين الشيطان للقبيح: تحسين الأفكار الباطلة والأهواء المخلة وإيجاد المسوِّغات لها وقذفها في القلوب المريضة، ومن ذلك تزيين الاستغاثة بالأموات ودعائهم والذبح لهم والنذر لهم وتعظيمهم، وكذلك تزيين التعبُّد بما لم يأذن به الله، سواء في الصلاة أو الصوم أو الحق، فتجده يُحسن الصلاة في القبور، ويُزين الوصال في الصيام، ويُرغِّب في تأخير فريضة الحج، وفي كلِّ ذلك تجده يقذف في قلب الإنسان من الأفكار التي تُظهر الباطل في صورة الحق، ليصرفه عن الصراط المستقيم. وهذا مسلك في غاية الخطورة فلنكن على حذر، وأعظم ما يُنجي في هذا الباب الاعتصام بحبل الله والتمسك بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمَّا تقبيح الحسن فيعمد به الشيطان إلى صرف الإنسان عن الفرائض والواجبات، فإن لم يظفر بذلك عمد إلى صرفه عن المستحبَّات وفضائل الأعمال، وأشدُّ ما يحرص الشيطان على فعله في هذا الباب تفويت الصلاة على العبد، أخرج البخاري في صحيحة عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فإن اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فإن تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فإن صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ. رواه البخاري. فهكذا يصرف الشيطان النائم عن الصلاة، أمَّا المستيقظ فيزيِّن له البيع والتجارة ويخوِّفه الكساد والخسارة إن هو آثر الصلاة على العمل، كما يصرفه عنها بأنواع المغريات والملهيات والشهوات كالغناء والأفلام ونحوه، وما قعد قاعدٌ عن الجهاد ولا أمسك غنيٌّ عن الإنفاق، ولا حُبس قادر عن الإحسان إلاَّ بتزيين الشيطان وتقبيحه لهذه الخصال الطيبة فتراه يخوف المجاهد بالموت وتشريد الأهل والعشيرة، ويخوف المنفق بالفقر وسقوط الهيبة والمكانة، يقول تعالى: «وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم...» الأنفال:48. من أخطر وسائل الشيطان في إضلال العباد خاصة المؤمنين: الاستحواذ على اللسان والأُذن وتسخيرهما لكل ضلالة ومعصية، وذلك بتزيين الغيبة والنميمة، والتجسس ونقل أخبار الناس، وقد نهانا الله عن هذا في كتابه فقال تعالى: «ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا». الحجرات:12. وعدوُّ الله يدرك أنَّ النجاة كلَّ نجاة في إمساك اللسان وحفظ الجوارح والأركان. والشيطان يحرص كلَّ الحرص على إفساد هذا الثغر، ويزيِّن لصاحبه تسخيره في الباطل والاشتغال باللغو الحرام، لأنه إذا تمَّ له الاستحواذ عليه ضمن ما بعده. أخرج الترمذي في سُننه عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري رفعه قال: إذا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فإن الأعضاء كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فإن اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا. ومعنى تُكفر اللسان: تذل وتقر بالطاعة له وتخضع لأمره. وأمَّا استحواذه على الأذُن فيتمثَّل في إحكام الصَّدِّ عن الكلام النافع، وتزيين وزخرفة كلِّ كلامٍ باطل. قال ابن القيم الجوزي: فسمَّاه: زخرفًا. وهو باطل، لأن صاحبه يُزخرفه ويُزيِّنه ما استطاع، ويلقيه إلى سمع المغرور فيغترُّ. والمقصود أنَّ الشيطان قد لَزِم ثغر الأذن: أن يُدخِلَ فيها ما يضرُّ العبد ولا ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسد عليه. الجواب الكافي. فيقع في التجسس وتتبع عورات الناس، وهو منهي عنه، وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك إن تتبَّعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم. فَقَالَ أبو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ. صلى الله عليه وسلم. نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا. رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح. وأخرج الترمذي بسنده عن نافع عن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحلة، قال: ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. قال الألباني: حسن صحيح. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news