العدد : ١٤٦٣٨ - السبت ٢١ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٣٨ - السبت ٢١ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (16) الحق والباطل

الجمعة ٣٠ مارس ٢٠١٨ - 11:20

مسحة فلسفية يصطبغ بها هذا المقال وما كان هذا بملكنا بل هي طبيعة الموضوع استوجبت هذا المنحى الكتابي ولا يؤاخذنا الله بما اضطررنا إليه، وما الفلسفة إلا الحكمة أم العلوم وما أُوتيها موُحِدٌ إلا أُوتي خيرًا كثيرًا، فهي علم يبحث في حقائق الأشياء على ما هي عليه، وقال فيها ابن عباس «إن الحكمة في القرآن تعلم الحلال والحرام»، وتوسع فيها من جاء بعده فقالوا هي كل كلام وافق الحق ولأن الله وصف نفسه بمحكم الكتاب بأنه الحق ولكن ليس كمثله شيء لذا أردنا التنويه قبل الشروع بالأمر.

«بالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا». (الإسراء 105) وتليها مباشرة الآية «وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مُكث ونزلناه تنزيلا». سيلفت الانتباه تكرار الحق مرتين في آية واحدة وتليها حصر دور النبوة بالبشير النذير من خلال استعمال الأداة «إلاّ الحصرية»، فالحق الذي أكد ربنا عليه هو الموجود الموضوعي خارج الوعي الإنساني، حين نشوء الكون بكل موجوداته كان الإنسان في الطور البشري ولم يأذن الله بنفخ الروح به ولم يتأنسن حتى ذلك الحين، والوعي تزامن مع الروح «المُميزة» التي استهلت مشوارها بالتفكير البدائي ومازال يتطور حتى يومنا هذا وسيواصل التطور بشكل تصاعدي حتى يأذن الله لهذا الوجود الموضوعي والقوانين المُسيرة له بالتوقف.

جاء التعبير القرآني عن الحق بمصطلحين: الأول هو «الله» جل جلاله حيث وجود الله خارج نطاق الفكر العقل الإنساني فلا يطوله فكر ولا يُحيط به عقل وهذا ما نظن أنّ الآية 6من سورة الحج تُعبر عنه «ذلك بأن الله هو الحق وأنه يُحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير» وكذلك الآية 62 من سورة الحج أيضًا «ذلك بأنّ الله هو الحق وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل وأنّ الله هو العلي الكبير».

وعبّر القرآن عن الوجود الإلهي بأنه وجود موضوعي خارج الوعي الإنساني ولكن أضاف أن ليس كمثله شيء «.... ليس كمثله شيء...» 11 الشورى، هذه الإضافة بإفراده بما لا يصل إليه عقل لأنه سبحانه هو المهيمن واضع القوانين لكل ما هو خارج الذات الإلهية بشكل تأبيدي لم يعيه الناس إلا بمرور السنوات وبشكل جزئي ومازال الباب مُشرعًا لمزيد من الإدراك للقوانين الناظمة للوجود الذي سنّه الخالق والشيء «أي شيء» تنطبق عليه قوانين مثل «الهلاك والفساد والجدل والثنائية» تعالى الله عنها علوًّا كبيرًا وهذا سر تنزيه الأشياء لله. فالله في عُلاه يتصف بــ أولا: أحادي في الكيف «قل هو الله أحد».

ثانيًا: والله سبحانه وتعالى واحد في كمه «الكم» كما في قوله تعالى «في سورة الكهف 110» «... إنما إلهكم إله واحد».

وثالثًا: لأنه أحادي فإنه لا يحتوي على التناقض في ذاته وبالتالي هو متعال على التغير والهلاك «... كل شيء هالك إلا وجهه...» القصص 88.

ورابعًا: الله خارج معادلة الزمان متعال عليه ولا يحده مكان مصداقًا لقوله في سورة الحديد 3 «هو الأول والآخر والظاهر والباطن...» هنا إشارة لطيفة حيث وجود حرف العطف بين الاسماء الحُسنى ولا توجد إلا في هذه الآية الكريمة، وكما هو معلوم فإن العطف لا يكون إلا بين المُتغايرات لعدم انسحاب معادلة الزمان والمكان على الله جل جلاله.

كل ما سبق يتعلق بالمصطلح الأول أما المصطلح الثاني للحق فهو كلمات الله التي هي نفس الموجودات المخلوقة «ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون» يونس 82، ومن باب توكيد أن هذه الموجودات حقيقة وليس محض تصورات يتخللها الوهم قال سبحانه «وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل» النحل 3، هذا ما جعلنا كمسلمين نؤمن بوجود حقيقي لله ولموجوداته الكونية بإطلاقها المُعبر عنها «بكلمات الله»، وكلمة الحق تستوجب أمرين هما الصدق والعدل كما في قوله تعالى في سورة الأنعام 115 «وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلاً لا مُبدل لكلماته» فالصدق يكون في حقائق لا في أوهام وهذا واضح من خلال فتح مكة حيث قال الله «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» الإسراء 81، ولم يقل جاء الصواب وزهق الخطأ، أما العدالة فلا تكون إلا منسجمة مع قوانين الوجود.

استعمل القرآن مصطلح الباطل للتدليل على الوهم ومنه نقول إن عبادة الأصنام موقف باطل وليس موقفًا خاطئًا وعليه فالشرك عمل باطل وهمي مبني على تصورات وهمية، وهذه بعض الشواهد القرآنية التي تؤكد معنى الباطل المذكور آنفًا فيما يخص الظاهر الكونية «وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا» سورة ص 27، «... ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته...» الشورى24، «الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار» آل عمران 191، والباطل في مجال الحلال والحرام كقوله تعالى: «... إنّ كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل» التوبة 34، حيث الرهبان والأحبار غرسوا في أذهان الناس الباطل متمثلا في خلق تصورات وهمية بأنهم يشكلون وسيطًا يجلب المغفرة للناس ويتقاضون على ذلك نصيبًا من أموالهم وتكرر هذا المعنى في موقع آخر في سورة النساء 161 «... وأكلهم أموال الناس بالباطل...».

ومن الدلالات من مضامين النصوص القرآنية أن معرفة الله تكون من خلال الموجودات الحقيقية هذه المعرفة حسية مُشخصة وراسخة أمامنا وقبل الوجود الإنساني على الأرض ومنها ولّد الإنسان كثيرا من علومه ومعارفه التي تدرجت في تسهيل حياته منذ بدء الانتشار الإنساني على الأرض بتذليل الدواب وركوب البحر للسير في البر والبحر ناظرًا ومُفكرًا ومُتعقلاً بالقوانين الناظمة لهذا الكون المُهيب.

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news