العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

الثقافي

وهج الكتابة: باخ.. السابق لزمانه!

بقلم: عبدالحميدالقائد

السبت ١٠ مارس ٢٠١٨ - 01:30

يُولدون قبلَ زَمانهم

عَبقريتهم تخرجُ بعد رحيلهم 

يَستمتعونَ بمجدهم وهم في القُبور

إنه الزمنُ بسرياليتهِ وعبثيته!!

فنسنت فان جوخ، الرسام الهولندي العالمي، وصل إلى قمة المأساة حين لم يشتر أحد لوحاته فقطع احدى اذنيه احتجاجًا فلم يسمعه أحد. وبعد سنوات بيعت لوحاته بالملايين. بيتهوفن كان وحيدًا غير ذي شأن، وبلغ ذروة مجده عندما فقد سمعه، وحينما كان يقود الفرقة لعزف سيمفونيته التاسعة، كان تصفيق الجمهور يهز القاعة ولم يكن يسمع، فجاء أحدهم وأداره إلى الخلف لكي يرى ابتهاج وحماس الجمهور له. وتكررت نفس الحكاية مع العملاق الموسيقي الألماني باخ الذي وصل بمؤلفات عصر الباروك الموسيقية إلى أعلى القمم ولم يحالفه الحظ في الشهرة في زمانه. هذا الفنان الذي ابدع أكثر من ألف عمل في مختلف انواع الموسيقى الكلاسيكية (باستثناء الأوبرا)، لم يذكره أحد وقتها إلا كعازف ماهر للأورغن. ظل مؤلفا مغمورًا. بدأ الناس يتعرفون على عبقريته الموسيقية بعد انقضاء حوالي مائة عام على وفاته. انه العبقري الذي سبق زمانه بأميال واكتشفه العالم الآن فقط في زمن غير زمانه الأصلي.

هذا الفنان عانى شظف الحياة، وهذه ضريبة الفن والإبداع، حتى انه اضطر أن يلبي طلبات تأليف القطع الموسيقية للأعراس والمآتم لسد حاجات اسرته وحاجته الماسة للمال كي يطعم ابناءه الذين بلغ عددهم العشرين، حيث انه تزوج مرتين، ولكن معظم ابنائه ماتوا، فقضى سنواته الأخيرة في التأليف والتدريس، لكن صحته اعتلت وبدأ يفقد بصره بعد أن خضع لعملية جراحية غير ناجحة في عينيه وتوفي بجلطة دماغية والتهاب رئوي في عام 1750 عن عمر ناهز 65 عاما، حاملاً معه حسرته العميقة بأن لا احد أدرك عظمة موهبته. يشمل إنتاجه الضخم مؤلفات للأورغن والكمان والكلافيكورد والهاربسيكورد (الأخيران هما البيانو في شكلين سابقين) وأوركسترا الصالونات، إضافة إلى العديد من الأغاني. ومع كتابته لعدد هائل من الأعمال إلا انه لم يستطع نشر سوى عشرة أعمال منها، واضطر لدفع ثمن بعضها من جيبه شبه الخاوي. 

ولد يوهان سيباستيان باخ، هذا الموسيقار العظيم في 21 مارس 1685 في مدينة صغيرة في إقليم تورينجين بألمانيا، في عائلة انجبت أكثر من 50 مؤلفًا موسيقيًا على مدى سبعة أجيال. أبصر هذا الولد النور والموسيقى تجري في دمه. وبسب ذلك، حصل باخ على منحة لدراسة الموسيقى الكورالية في إحدى أرقى المدارس، حيث وجد أمامه نافذة واسعة إلى مختلف الثقافات الأوروبية. اشتغل باخ في صنع الآلات الموسيقية بيديه ثم بيعها بعد دوزنة أوتارها باختلاف أنواعها إلى جانب بيع الكتب الموسيقية، واستمر يعمل عازف اورجن في بلاطات النبلاء. كل هذا الجهد والعشق للموسيقى لم يرفعه أبدا إلى صف النجوم بالنسبة الى نشر الأعمال الموسيقية، وكان وقتها جورج فريدريك هاندل، الموسيقي الكلاسيكي البريطاني من أصل ألماني، سارقًا لكل الأضواء. 

 وهب هذا الفتى روحه للموسيقى ولكن كان الزمن بخيلاً فلم يحتف أحد بموهبته، التي أصبح العالم يحتفي بها هذا اليوم كأحد أعظم التركات الموسيقية في التاريخ. 

من بين أعمال باخ الشهيرة “كونشيرتوهات براندنبرج” الستة التي ألفها في العام 1721 والتي أرسلها إلى حاكم براندنبرج العسكري ليحصل على وظيفة. لم يحصل باخ على الوظيفة ولم يتسلم حتى ردًا على طلبه، ونشرت أخيرا في عام 1850. بعد مضي مائة عام على وفاته، حيث اعتبرت آفاقًا ما كان أحد يعتقد أن موسيقى الباروك يمكن ان تصل اليها يومًا. وكان لنشر كونشيرتوهات براندنبرج الستة عاملاً مهمًا في رد الاعتبار إلى باخ، هذا الاعتبار الذي لم يجده في حياته والعبقرية الموسيقية التي صادروها منه عن قصد أو من دون قصد.

 كما تشمل أهم أعماله ايضا «تنويعات غولدبرج» و«الـسويتات» الانجليزية والفرنسية و«سويتات التشيلو»، و«القداس في سلم سي الصغير»، و«القربان الموسيقي».

قال عنه موزارت: «أخيرا... موسيقى تسر الروح بالاستماع إليها». وكتب هيجل: «هذا عالم لم ننتبه إلى عبقريته إلا مؤخرا». وقد ألف بعض كبار الموسيقيين أعمالاً مستقاة مباشرة من مؤلفات باخ إجلالا لموهبته، من هؤلاء بيتهوفن في «تنويعات ديابيلي»، وشوستاكوفيتش في «مقدمات وقطع في الفيوج»، وبرامز في سوناتا للتشيلو التي بنى ختامها على بعض أجزاء باخ في مؤلفه «فن الفيوج».

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news