العدد : ١٤٦٩٧ - الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٧ - الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٣٩هـ

الثقافي

إلى أي جهة نرتحل من دون جهة الشعر؟

بقلم: هشام عقيل صالح

السبت ١٠ مارس ٢٠١٨ - 01:30

لا يرتحل المرء إلا إذا كان منفيًا، ماسكًا خارطة ما في يده ليذهب إلى مكان ما. الكثير ممن ارتحلوا لم يعرفوا علم المكان، لم يعرفوا إلى أين يتجهون؛ لكنهم دائمًا يجدون أنفسهم في مكان ما. بما أنه لا يمكنك أن تكون غير متمكن.

جغرافيًا، «جهة الشعر» هي جزيرة ضمن الجزر القليلة التي تحيط بعالم يسمى، لا أدري، بالعالم العربي. الجزر الأخرى واجهت جفافًا، لا ماء عذب يصلها ولا زرع يتنفس. هل جربتم طعم الدم من قبل؟ الدماء مالحة، والكثير منها سال في البحر؛ أنه يزداد ملوحة يومًا بعد يوم. «جهة الشعر» احدى الجزر التي صمدت. أشرأب عنقها من تحت الماء عندما كنت طفلاً رضيعًا، ثم تأبطتْ الأرض فانطلقت كينونةً؛ أنا تكونتُ معها، أنا جزيرة أيضًا.

طوبوغرافيًا، تضاريسها غير مستقرة؛ أنت تبدأ «غريبًا يدخل البيت»، ثم كل اتجاه تأخذه، كل الأماكن، هي «جهة القلب».. أترى؟ لا يوجد يمينًا أو شمالاً، أنت في المكان المحض. لا تكترث أين تكون، لأنك ستكون فيما يكون. تستطيع أن تصعد فوق هضبة، تسمى «دفتر أفكار»، حيث اللقاءات سعيدة.

«جهة الشعر» ليست آيديولوجيا، أنها، على العكس، طوبوغرافيا. جرب هذا: قارن كل تضاريسها، ثم قل لي إن وجدت تشابهًا واحدًا بين كل جهة ومدخل. كأنما خُلقت من تضارب متفجر، من الأسود الأبيض، من البركان البحري، من الحتمية الممكنة. أنت تقرأ لافتة تقول «الجهة الخامسة»، ولا تدري أين هي الأولى، الثانية، الثالثة، السادسة، العاشرة، إلخ.

الكل رفع صوته: «فوجئنا بخبر توقف جهة الشعر!». توقف؟ الكف عن؟ هذا مفهوم متصل بالميكانيكا. الكل يرفع صوته: «لا مكان اليوم للمثقف، ولا مكان للعربي ليكون مثقفًا!» لا مكان؟ اليوم؟ هذا مفهوم متصل بالميتافيزيقيا. لنفهم: جهة الشعر لم تتوقف، بل *دفعت* للتوقف! المثقف العربي لم يغيّب بل ضل طريقه!

الأزمة، مرة أخرى، ليست أزمة المثقف. ليس بمقدوره أن يلوث الثقافة، وهو أصلاً إنسان لا حول له. الأزمة، بكل بساطة، أزمة ثقافة. البنية الثقافية في أزمة، بذلك توّلد مثقفًا أزمويًا. لماذا تغضب من النبتة حين لا تنمو، إذا كانت تربتها تجرها من شعرها؟ الأمور لا بد أن تسمى بمسمياتها، الأمور لا بد أن تكون واضحة.

علينا أن نكف عن هذه العدمية، عن ثقافة التباكي، عن ثقافة التهويل!

جهة الشعر باقية، هي لا تحتاج إلى دعم مالي أو معنوي. انطلقتْ من جهة الرفض، ولا يقابل الرفض إلا الرفض. انطلقتْ في لا-تزامن، ولا يقابل اللا - تزامن إلا الوهم الزمني. فلماذا نغضب؟ ولماذا نتحدث كأنما العالم يدين لنا بشيء؟

جهة الشعر لم تتوقف لأنها انطلقت مدركة بالأزمة الثقافية؛ زمنها هو الآن أكثر من أي وقت مضى؛ إذا أفُنيتْ، فأنها لن تقر، في هذا الحدث، إلا بسبب وجودها. كل مشروع ثقافي، كل محاولة زرع بذرة، تتوقع الجو السيء الذي يمكنه أن يحل في أي وقت، لأنه تأسس على هذه الأسس. وبعيدًا عن النوستاليجا والتذمر: أين نحن من «كو دي تا» الحاصل في المجلات الثقافية؟ أين «كلمات»؟ وكيف نفسر انحسار الجمعيات الثقافية عن دورها الثقافي؟ وكيف لنا أن نسامح من ظل صامتًا، من تنبت أذناه كالحمار لا يردد سوى «نعم»؟ كيف يمكننا أن ننظر إليهم بعد الآن؟

 البحرين تتحدث الآن بكل صراحة: الأزمة الثقافية لا تخلق سوى مثقفًا أزمويًا - إما يتجه نحو حل الأزمة، وإما يعززها.

 علينا أن نتعلم ألا نعلن الموت سريعًا؛ بل نرغب، ننزع نحو، نشتهي، الحياة. علينا أن نبعث الحياة في كل مكان.

أنا سأبقى في جهة الشعر، ولن أقبل أن ارحل بعيدًا عنها. نشرتُ أربع مقالات فيها، وأنا الآن عازم على نشر أربع مقالات غيرها! لستُ ممن يعلنون الموت سريعًا، لستُ ممن يعززون القنوط في من أصابه اليأس. أنا باقٍ فيها، ولن أرحل بهذه السهولة؛ في البحرين أنها فعلاً كل ما تبقى لنا.

«الأخبار» تقول: قاسم حداد ودع «جهة الشعر». «الأيام» تقول: جهة الشعر تنام الآن. أنا أقول: لا تودعوا من لا يريد أن يرحل! لا تفرضوا النوم عليه، هذا الذي يريد أن يتوحد في الليل! لا تكتبوا «احترق الجميل ومات ولن يبعث الققنس من الرماد»! لا تتسرعوا في إعلان الموت مع الذين يسرهم أن يلفظوا كلمات الموت!

تجهزوا لعودة «جهة الشعر» (التي لم ترحل بعد)، جهزوا اقلامكم للإحتفاء بها، لم يحن موعد الموت بعد.. وتذكروا:

«أقف عاريًا في ثلج الريح/ وحيدًا/ كحرف الألف/ ولا أنحني… أخرج من نار وأدخل في نار/ ولا أنحني. أعتقد بالتقاء النقيض بالنقيض/ ولا أنحني» (قاسم حداد).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news