العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

الثقافي

قصة قصيرة : ترنيمة المستغرب على حبل غسيل

بقلم: ليلى سلامة

السبت ٠٣ مارس ٢٠١٨ - 01:20

(لقد نشرت هذه القصة في الأسبوع الماضي ولوقوع النص في خطأ افسد قراءة القصة على القراء، نعيد نشر القصة مجددًا إيمانًا منا بأهمية جهد الكاتب).

كان مقعد المرحاض «التواليت» الافرنجي صغيرًا بحيث لا يتسع لحجم مؤخرة سعيد القادري، وحيث كان يعاني من الإمساك المزمن طيلة سنوات حياته في مدينة مارسيليا الفرنسية، فما أن يجلس على مقعد المرحاض مترقبًا حالة الاسترخاء التي يأمل يبدأ يتعرّق بشدة من محاولات الضغط المتواصلة ولا يسعه سوى أن يفكر بعظمة المرحاض الشرقي غير المتكلّف، والذي يقال عنه بأنه في الأصل يراعي الأصول الشرعية والقواعد الصحية. قد يبدو الأمر في غاية السخافة أو ما يشبه الكوميديا الساخرة، إلا أنّ القادري يتعايش بألفة مع معاناته اليومية داخل المرحاض الافرنجي المكان الذي يمنحه تركيزا أكثر في تكثيف ثراءاته الأكاديمية. 

وكان المارّة من باب السمارين بالقرب من زنقة فاس الجديدة يطلقون عليه اسم «سعيد الافرنجي»، وإن كان يقصد بذلك عقدته المتمثلة في الإمساك ومن ثمّ تعلقه بحياة الغرب على حد سواء، إلاّ أن هذا اللقب لم يكن يتعسه أو ينكد عليه، بل اعتبره دافعًا نحو البحث عن شيءٍ ما في أرض ما. ومن المعروف أنّ سعيد كان يتشارك مسكنه مع شابة أمريكية اسمها «الراقصة ذات الساقين الطويلتين القادمة من نيفادا» والتي كانت تمتد جذورها إلى العرق الهندي الأحمر. كانا يتشاركان المرحاض أيضًا والمعاناة نفسها عند الجلوس كل صباح على مقعد المرحاض. كان يختصر اسمها بـ «نيفادا».

واعتبره أهل الحي في مدينة فاس «مستغربًا» مصابًا بلوثة عقلية فكرية، وكلّما قابله أحد أبناء الحي سأله عن الحياة في مدينتي مارسيليا وليون. وبالطبع كان القادري قليل الكلام، ملامح وجهه يعتريها الصمت والانكسار، ورغم أنه مستغرب، إلاّ أنه أبقى طربوشه وجلابيته أمرين مقدسين في طهارة هويته. يتضايق أهل فاس من كتاباته التي تتسم بصبغة أوروبية وفيها الكثير من المدلولات التي تظهر الشرق في صور بدائية. ومع كل ذلك لم يتوقف أحد منهم عن فضوله اتجاهه وقراءة أفكاره الدخيلة.

لم يجد القادري تلك المرأة التي تخرجه من جبّته، بقي سنوات طويلة يفتش عن قالب جديد عصري، فرأى أنّ مارسيليا وجهته التي تلبي حاجته. وهناك أخافته المرأة المتمدنة ولم تأخذه «فتنة التفرنج» إلى ما هو أبعد من ممارسة علاقات عابرة. واعتبر أنّ المرأة الفرنسية لا تصل إلى رقي وأصالة نساء الشرق، خاصة عندما يتعلق الأمر بديمومة العلاقة بين اثنين لديهما نفس مذاق الحياة ويمشيان وفق أصول وشروط معينة مستمدة من ثقافة الشرق وسحره.

في ذات صباح مشمس يذكر بدفْء الوطن، جلس القادري في شرفته المارسيلية التي تطل على مصنع قديم مهجور للتبغ، يتأمل شريكته في السكن وهي تنشر الثياب الرطبة على حبل غسيل معلّق على طول الشرفة، افتتنه قوامها الرشيق ذو اللون الداكن كأنه خبز محمص، ثمّ صار يتبادل معها أطراف الحديث. وكانت الأمريكية بالفعل ذات ساقين طويلتين، تقدّس شعرها الطويل كتعبير عن انتمائها لقبيلتها.

سألها القادري بفضول واستغراب المتفرنج: «ما الذي جاء بك إلى مارسيليا؟».

أغمضت الأمريكية عينيها وتأملت السؤال كأنها في حالة تمارس بها طقوس أجدادها، ثم خرجت الحروف من بين شفتيها تقلّب الماضي قائلًة باقتضاب: «أنت أندلسي مغربي، وأنا هندية حمراء أمريكية، وكلانا نبحث عن شيء ما يسلخنا من حقيقة هويتنا!».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news