العدد : ١٤٦٩٧ - الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٧ - الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٣٩هـ

الثقافي

ســـرديــــات: لوفر أبوظبي.. متحف كونيّ بفكرة استثنائية جدًا

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠٣ مارس ٢٠١٨ - 01:20

يصدر متحف «لوفر أبوظبي» في تأسيسه الثقافي عن رؤية ثقافية استثنائية ومغايرة جدًا هي فكرة التواصل الحضاري بين حضارات العالم المختلفة منذ العصور الأولى للبشرية لبيان أن العالم كان متصلاً بمعظمه في حركات التغيير والتلاقح الثقافي الكبرى، وأن الشعوب والثقافات لم تكن منعزلة عن بعضها كما يتصور البعض. ويقوم هذا المتحف كذلك على فكرة ناقضة للمركزيات الأوروبية المتحكمة؛ فهو ينقض المركزيات ويبرز مركزيات كثيرة موازية في الآن نفسه.

يسرد هذا المتحف الاستثنائي جدًا قصة البشرية في اثني عشر فصلاً هي قاعات المتحف الأساسية الاثنتي عشرة، وفي مقدمة كل قاعة هناك أطلس تفاعلي للكرة الأرضية يصدر من الفكرة الجامعة لمنظومة أفكار المتحف وهي التواصل الحضاري. في مقال سابق لي أشرتُ إلى الحاجة إلى وجود أطلس ثقافي كوني تفاعلي يتيح للمتلقي عندما يراه أن ينظر إلى الحدث الثقافي الكبير وتفاعلاته في العالم، أطلس يخرج عن إطار المركزيات الثقافية الحاكمة إلى التعدديات الثقافية الكبرى. أطلس يشترك فيه مؤرخون وأنثروبولوجيون وعلماء ومفكرون وفلاسفة من العالم كله. أطلس تفاعلي تاريخي ثقافي من الممكن اعتماده في المتاحف والمدارس والجامعات. ولقد وجدتُ جزءًا من هذا الأطلس الكوني الثقافي التفاعلي في متحف لوفر أبوظبي. إنَّ لوفر أبوظبي يبحث بالفعل عن المتشابهات في تواريخ البشرية، ويحِّرض المتلقي على التأويل والتحليل والتعليل ومن ثمَّ الاستنباط والخروج بمنظومة فكرية كلية متكاملة، فليست الذائقة الثقافية الجمالية هي المستهدف الأوحد، بل عقل المتلقي وقدراته التحليلية.

من الأمور الطريفة التي وجدتها في هذا المتحف المغاير قناعين لبوذا ُصِنعا في فترة متقاربة الأول في الهند والثاني في الصين؛ أمَا القناع الهندي فقد كان يحمل ملامح هندية لبوذا وأمَّا القناع الصيني فقد كان يحمل ملامح صينية له، وكلاهما لبوذا. وقد ذكّرني هذان القناعان بالأيقونات الدينية التي صنعت لسيدنا عيسى عليه السلام واختلاف تأويل الثقافات له؛ ففي الحبشة (أثيوبيا الحالية) اتخذ السيد المسيح ملامح إفريقية بحتة في حين صوَّرته الأيقونات المسيحية الأوروبية بالملامح الأوروبية. وكل قطعة أثرية أو فنية في هذا المتحف تم انتقاؤها بذائقة ثقافية ذكية ربطتها بمنظومة المتحف الفكرية والأمثلة كثيرة, الأقنعة المتشابهة لحضارات مختلفة، الكتب المقدسة، رمزية الماء في الثقافات المختلفة، رمزية برج بابل في الحضارات وحضور هذه الرمزية في بعض الكتب المقدسة وتأويلاتها كناية عن تفرق الأجناس البشرية وتبلبل الألسنة ونشأة اللغات الكونية العالمية. وحتى في القاعة الأخيرة سنجد هذا المفهوم الناظم الشامل فهناك «نافورة الضوء» وهي عمل تشكيلي ما بعد حداثي يشتمل على كريستالات مصممة على هيئة برج بابل وغيرها من المقتنيات التي تبنت رؤية المتحف الكلية. أبارك لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة هذا الإنجاز الثقافي الذي رسّخ مكانة أبوظبي بوصفها عاصمة ثقافية عالمية تحتفي بالتعدديات الثقافية الكونية الكبرى.

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news