العدد : ١٤٦٩٧ - الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٧ - الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٣٩هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

.. فلمن يا فتنة الروح نغني؟!

استعادة لصرخة ادوارد سعيد الأخيرة قبل الطوفان

 

قد تستغرب عزيزي القارئ إذا قلت لك ان المسودة الأولى لهذا المقال كتبتها قبل أكثر من 14 عاما. كتبتها تحديدا في مساء يوم 25 يناير عام 2003، أعدت كتابته بعد ذلك أكثر من مرة، لكنني كنت اتركه جانبا. وقد تستغرب إذا قلت لك إنني في كل مرة لم أكن أكمل المقال وأنشره لا لسبب سوى أنني كنت اشعر بألم ووجع في القلب يفوق الوصف والاحتمال.

الذي حدث أنني في ذلك اليوم، قرأت مقالا كتبه المفكر الكبير الراحل الدكتور ادوارد سعيد، ونشرته صحف عالمية كثيرة بتاريخ 25 يناير عام 2003، كان عنوان المقال: «متى سنقاوم؟» مع عنوان فرعي «الولايات المتحدة تستعد للهجوم على العالم العربي والعرب يئنون في ذل وخضوع».

لم يكن هذا مقالا عاديا. كان في حقيقة الأمر بمثابة وصيته الأخيرة - وقد توفي بعد كتابة هذا المقال بستة اشهر-.. كان صرخة عربية مدوية لمفكر مهموم بحال الأمة قبل الرحيل.

حين كتب ونشر هذا المقال كان العالم كله يعرف ان الهمجية الأمريكية تسعد لغزو واحتلال العراق. بالنسبة إلى ادوارد سعيد لم يكن الأمر يتعلق فقط بعدوان على بلد عربي مستقل، وإنما كان يتعلق بطوفان على وشك ان يجتاح كل الأمة العربية، ولهذا أطلق صرخته.

اليوم، نجد أنفسنا بحاجة إلى استعادة نفس الصرخة، وبنفس مفرداتها.

‭}}}‬

أرجو ان تتأمل عزيزي القارئ جيدا ماذا كتب ادوارد سعيد في صرخته. وهذه ترجمتي لجوهر ما قاله:

 كتب يقول التالي: 

يفتح المرء جريدة «نيويورك تايمز» يوميا ليقرأ آخر الأخبار والتعليقات حول الاستعدادات في أمريكا لشن الحرب.. أخبار حول حشد عسكري هائل، حاملات طائرات، وصواريخ كروز، وطائرات حربية، وفرق من الجنود، يتم إرسالها إلى منطقة الخليج استعدادا للحرب. الاستعدادات لشن الحرب تمضي على قدم وساق على الرغم من انها لا تحظى بتأييد الرأي العام، وعلى الرغم من انه لا توجد أسلحة دمار شامل عراقية يمكن الحديث عنها.

يحدث هذا في أمريكا. أما في العالم العربي والإسلامي، فإن الموقف أكثر غرابة. لمدة عام كامل الآن، يوجه الساسة الأمريكيون، والخبراء الإقليميون، ومسؤولو الإدارة الأمريكية، والصحفيون، اتهاماتهم المتكررة إلى الإسلام والعرب.

 الكل يقول ان الإسلام بحاجة إلى الإصلاح، وإن النظام التعليمي العربي كارثة، وإن العرب متخلفون عن العالم كله في الديمقراطية وفي كل شيء.

 العرب الوحيدون «الجيدون» بالنسبة إلى هؤلاء هم الذين يظهرون في أجهزة الإعلام يدينون الثقافة العربية المعاصرة، والمجتمع العربي بلا أي تحفظ. إنني أستعيد دوما نغمة هؤلاء والتعبيرات التي يرددونها ولا يجدون فيها أي شيء إيجابي يقولونه عن أنفسهم أو عن شعبهم. إنهم يرددون كالببغاوات نفس الكلام الذي يردده الأمريكان، ونفس الاتهامات التي يقولونها بلا توقف في صحافتهم وأجهزة إعلامهم.. يقولون إننا نفتقد الديمقراطية، وإننا لا نقوم بما يكفي لتحدي الإسلام، وإننا يجب أن نفعل المزيد كي نبتعد عن القومية العربية وعقيدة الوحدة العربية.

ويصر هؤلاء على أن كل ما يقولونه هم والذين يوجهونهم في أمريكا عن الإسلام والعرب، صحيح تماما. هذا على الرغم من انه كلام غامض وكليشيهات فارغة يتم إعادة تدويرها ويرددها أمثال برنارد لويس.

يقولون إننا نحتاج إلى ان ننضم إلى الحداثة، علما بأن الحداثة بالنسبة إليهم هي غربية فقط.

إن صدام الحضارات الذي يحاول جورج بوش وأتباعه الترويج له كغطاء للحرب على العراق والسعي إلى الهيمنة في المنطقة، من المفترض ان ينتهي كما يزعمون بانتصار الديمقراطية، وبناء الدولة، وتغيير النظام، وفرض الحداثة الأمريكية.

حقيقة الأمر ان هذه الحرب هدفها إسقاط صدام ورجاله، وأن يقود هذا إلى إعادة رسم خريطة المنطقة كلها، والى سايكس بيكو جديدة، ووعد بلفور جديد.

في ظل كل بانوراما الخراب هذه، فإن الأمر الصادم هو هذه السلبية المطلقة، وهذا العجز الكامل للعالم العربي ككل. ان الحكومة الأمريكية وخدامها، يصدرون البيان تلو البيان، وينقلون قواتهم وطائراتهم ومدمراتهم ودباباتهم إلى المنطقة، لكن العرب، فرادى ومجتمعين عاجزون عن مجرد ان يعلنوا رفضهم.

لماذا هذا الصمت وهذا العجز المذهل؟

إن أكبر قوة في التاريخ على وشك ان تشن حربا على دولة عربية مستقلة.. حرب هدفها ليس فقط تدمير نظام البعث، ولكن أيضا إعادة تشكيل المنطقة كلها. والبنتاجون لم يعد يخفي خططه لإعادة رسم خريطة العالم العربي كله، وربما تغيير أنظمة عربية اخرى، وتغيير حدود الدول. لن يكون أحد بمنجى من هذا الطوفان حين يأتي.

ورغم هذا، لا يوجد إلا الصمت الطويل. إن ملايين العرب سوف يتأثرون ويدفعون الثمن، وأمريكا تتعامل مع الأمر باحتقار ولا تهتم حتى بأن تستشير العرب.

هل نستحق هذه المعاملة العنصرية المهينة؟ 

هذا ليس أمرا مرفوضا فقط، بل انه يستعصي على التصديق.

كيف يمكن لأمة عدد أبنائها 300 مليون عربي ان تظل هكذا مستكينة تنتظر تلقي الضربات لإسقاطها أرضا من دون ان تحاول بشكل جماعي إطلاق صيحة مقاومة؟

هل الإرادة العربية لم يعد لها وجود نهائيا؟

حتى السجين الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام، لديه كلمات أخيرة يقولها.

 لماذا ليست هناك شهادة على حقبة من التاريخ؟.. لماذا ليست هناك شهادة في حق حضارة على شك ان يتم سحقها؟.. لماذا لا توجد شهادة في حق مجتمع، ورغم عيوبه وأوجه ضعفه، يحيا ويعمل؟

كل ساعة يولد أطفال عرب.. الأطفال العرب يذهبون إلى المدارس.. الرجال والنساء يتزوجون ويعملون ولديهم أطفال، ويلعبون ويضحكون ويأكلون، ويحزنون، ويعانون من الأمراض. يوجد حب وتراحم، وصداقة. نعم، العرب مضطهدون، ويخضعون لحكم سيئ، لكنهم قادرون على المضي قدما في الحياة والعمل رغم كل شيء.

هذه هي الحقيقة التي يتجاهلها القادة العرب والأمريكان حين يتحدثون عن «الشارع العربي» هذا التعبير الذي اخترعه المستشرقون التافهون.

من الذي يسأل اليوم الأسئلة الوجودية المصيرية عن مستقبل الشعب العربي؟.. هذه مهمة لا يمكن ان تترك للمتطرفين الدينيين، ولا للخاضعين التابعين.

التكنولوجيا، والحداثة، والعولمة، لا تقدم إجابات على ما يهددنا اليوم كشعب عربي. لدينا في تراثنا العربي المكتوب، تراث كامل يعالج قضايا مثل، المقدمات والنتائج، والحياة والموت، والحب والغضب، والمجتمع والتاريخ. كل هذا موجود، لكن لا يوجد صوت واحد، ولا فرد واحد لديه رؤية عظيمة وسلطة أخلاقية قادر اليوم على إماطة اللثام عن كل هذا ولفت الانتباه إليه.

نحن على أعتاب كارثة مروعة. لكن، من المسؤول عن حاضرنا، وعن دنيانا اليوم، وعن أرضنا، ومياهنا، وهوائنا، وحياتنا ووجودنا؟.. لا يبدو ان هناك أحدا مستعد لتحمل المسؤولية.

هناك تعبير يعبر بشكل دقيق ومؤلم جدا عن حالنا اليوم.. يعبر عن سلبيتنا وعجزنا، وعدم قدرتنا على مساعدة أنفسنا الآن في الوقت الذي نحتاج فيه إلى كل ما نملك من قوة.

هذا التعبير هو: هل يتفضل آخر شخص يغادر بأن يطفئ النور رجاء؟

ألم يحن الأوان بعد للعرب لأن يقوموا بصياغة بديل عربي أصيل لهذا الطوفان من الخراب والدمار الذي يوشك ان يجتاح عالمنا العربي؟.. ألن يأتي أحد إلى دائرة ضوء النهار ليطرح رؤية لمستقبلنا لا تكون مستقاة من السيناريو الذي رسمه دونالد رامسفيلد وبول ولفويتز؟

‭}}}‬

هذا عزيزي القارئ ما كتبه ادوارد سعيد قبل أكثر من 14 عاما.. هذه هي الصرخة المدوية الأخيرة التي أطلقها قبل الطوفان كما قال.

ما الذي حدث بعد ذلك وحتى اليوم؟

الذي حدث على نحو ما نعلم جميعا ان الطوفان اجتاحنا بالفعل، ومازال يجتاحنا.

الطوفان بدأ بغزو واحتلال العراق وما ارتبط به من دمار رهيب حل بالبلاد، ومن تدمير للدولة، ومن إطلاق لشيطان الطائفية من عقاله، ومن إرهاب أسود تتالت فصوله من القاعدة، إلى داعش، إلى المليشيات الطائفية.

وامتد طوفان الخراب إلى دول عربية أخرى.. سوريا وليبيا واليمن.

وبلغ الطوفان ذروته مع أحداث ما سُمي «الربيع العربي». كان المخطط هو ان يكون هذا «الربيع» ذروة الدمار والخرب لكل الدول العربية بلا استثناء.

كان المخطط هو ان يكون هذا «الربيع» هو المحطة الكبرى على الإطلاق على طريق تنفيذ المخطط الذي حذر منه ادوارد سعيد وغيره مبكرا، أي إسقاط النظم، وتدمير الدول والأمة، وإعادة رسم خريطة المنطقة بالكامل.

دولتان عربيتان يعود لهما الفضل في وقف هذا المخطط مؤقتا، هما البحرين ومصر. البحرين بتصديها للمؤامرة الطائفية حمت كل دول الخليج العربية. ومصر بثورة 30 يونيو وجهت ضربة كبرى للمخطط بشكل عام.

ومع هذا، لا يستطيع أحد ان يقول ان المخطط انتهى. نحن نرى الطوفان، مازال يجتاحنا. دول عربية مازال يجري تدميرها أمام أعيننا. والأمر المؤكد ان القوى والدول المتآمرة تخطط مجددا لإعادة إطلاق المؤامرة على نطاق أوسع.

واليوم، وبعد كل ما جرى، ورغم هذا الطوفان الذي اجتاحنا، نجد أنفسنا في نفس الموقع الذي أطلق منه ادوارد سعيد صرخته.

نجد أنفسنا بحاجة إلى إعادة إطلاق نفس الصرخة مجددا، ذلك انه لم يتغير شيء مما قاله وحذر منه.

مازلنا نشهد -كما قال- صمتا عربيا رهيبا، واستكانة وعجزا عربيا في مواجهة الطوفان الذي يجتاح الأمة.

مازلنا لا نلمس ملمحا لإرادة عربية جماعية للرفض والمقاومة.

مازلنا نفتقد أي رؤية عربية موحدة، وأي مشروع عربي في مواجهة ما جرى للأمة، ولكيفية حماية دولنا.

مازلنا لا نعرف -كما قال- أحدا مسؤولا عن هذه الأمة.. مسؤولا عن الدفاع عن حضارتها وتاريخها ووجودها ذاته.

لا نعرف قيادة موحدة، ولا توجد قوة عربية موحدة يمكن ان نراهن عليها.

كل هذا على الرغم من انه كما قال، فإنه أمام أعيننا تجري عملية إبادة لحضارتنا، وتدمير لدولنا، وتشريد لشعوب عربية بأسرها.

‭}}}‬

حين كنت أقرأ مقال ادوارد سعيد قبل أكثر من 14 عاما، كنت بالمصادفة استمع في نفس الوقت، إلى قصيدة «أشواق» البديعة يتغنى بها الموسيقار الكبير رياض السنباطي بصوته الآسر الشجي.

وتوقفت حينئذ عند المقطع الذي يقول فيه:

إن يكن قلبك لا يسمع لحني

.. فلمن يا فتنة الروح أغني

ساعتها، ووسط كل مشاعر الحزن والألم التي تملكتني مما كتبه أدوار سعيد ومن حال الأمة كما وصفه، فكرت.. لعل في هذا المقطع بالذات خلاصنا.

فكرت: أنا وكل المواطنين العرب أبناء هذه الأمة، ليس لنا فتنة للروح إلا أوطاننا العربية.. كل أوطاننا العربية.

نحن أبناء أمة عربية واحدة.. نحن أبناء 22 دولة عربية، هي كلها أوطاننا نفخر بالانتماء إليها، ومحظوظون بالانتماء إليها.

أوطاننا هذه هي فتنة روحنا.. وهي ان كانت بحاجة إلى شيء اليوم، فهي أحوج ما تكون إلى ان نحبها ونتعلق بها.

نحب أوطاننا ونتعلق بها كما هي.. بكل ما فيها.. بكل ما لها وما عليها.. بكل ما فيها من جمال ومن قبح، ومن سلبيات ومن إيجابيات.

نعم.. أوطاننا فيها الكثير مما لا نحب ومما نغضب منه ولا يرضينا.. فيها فساد.. وفيها حكم غير رشيد.. وفيها تخلف فكري وسياسي.. وقل مثل هذا ما تشاء.

لكننا نحبها ونتعلق بها لأنها ببساطة أوطاننا.. ليس لنا أوطان غيرها.. ليس لنا أمة غير أمتنا العربية.

ليس هذا فحسب.. الأمر كما قال ادوارد سعيد بعبارات بديعة مؤثرة.. أوطاننا العربية جميلة.. جميلة بحضارتها وتاريخها وتحضرها.. جميلة بأطفالها الذين يولدون ويتعلمون ويتطلعون إلى مستقبل أجمل.. جميلة بشعوبها الصابرة التي تكافح وتعمل وتتحمل الشقاء والظلم والمعاناة.. جميلة بقدراتها الرهيبة والتي تمتلكها والتي ليست بحاجة إلى شيء سوى حشدها دفاعا عن الأمة.

حبنا لأوطاننا العربية وتعلقنا بها هو الذي سيوقف هذا الطوفان.. هو الذي سيحميها من جيوش الظلام ومن قوى الشر والعدوان والهمجية التي تريد لنا الفناء.

ليس هذا كلاما إنشائيا.

حبنا لأوطاننا وتعلقنا بها يعني ولاء مطلقا لها.. يعني أننا، قادة ومثقفين وساسة، ومواطنين، سنفعل كل ما يجب أن نفعله دفاعا عنها وحماية لها.

لو ان قادتنا أحبوا أوطاننا حقا، فسيعني هذا حتما السعي إلى تأسيس حكم رشيد، وإلى تنحية الخلافات جانبا، وإلى العمل على حشد القوى العربية وبناء جبهة موحدة قوية دفاعا عن الأمة.

لو أن مثقفينا وساستنا أحبوا أوطاننا حقا، فسوف يكرسون جهودهم من اجل صياغة بديل عربي ومشروع عربي موحد لحماية الأمة ويضغطون على القادة من اجل تبنيه.

لو ان المواطنين العرب أحبوا أوطاننا حقا، لتفانوا في عملهم من اجل بنائها، ولجعلوا ولاءهم الوطني لها هو الأعظم من أي انتماء آخر، طائفي أو غير طائفي، ولكانوا على استعداد لأن يفدوها بأرواحهم.

‭}}}‬

أوطاننا العربية تمر بأخطر مرحلة في تاريخها على الإطلاق.. مرحلة أن تكون أو لا تكون بالمعنى الحرفي.. أن توجد أو لا توجد أصلا.

نحن أبناء هذه الأمة، حكاما ومحكومين، شهود على هذه المرحلة. والتاريخ لن يغفر أبدا لأحد إن نحن فرطنا في أوطاننا في مواجهة هذا الطوفان الهادر.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news